عندما يكتسب الإنسان صفة الجندبة و الفراشة

5 دقائق
26 رجب 1447 (15-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إنَّ السُّنَّةَ النبويَّةَ هي المصدرُ التشريعيُّ الثاني في الإسلام بعد القرآن الكريم، وقد أوجب الله تعالى طاعةَ نبيِّه واتباعَ أوامره، فأطاعه الصحابةُ رضوانُ الله عليهم في حياته، ويجب علينا طاعتُه بعد وفاته. وقد وردت نصوصٌ كثيرة من آياتِ القرآن الكريم ومن الأحاديث الشريفة تدلُّ دلالةً صريحةً على وجوب طاعته .

فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران:32).

وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال:1).

وقوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).

والآيات في هذا الباب كثيرة.

ومن السُّنَّة النبوية:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: "مَنْ رغِبَ عنْ سنَّتي فيليسَ مني"أخرجه البخاري.

والأحاديث الواردة أيضا كثيرة، وإنَّ النجاةَ كلَّ النجاة في معرفة ما جاء به والعمل به.

قال ابن القيم رحمه الله: «إن شرور الدنيا والآخرة إنما هي الجهل بما جاء به الرسول والخروج عنه، وهذا برهانٌ قاطعٌ على أنه لا نجاةَ للعبد ولا سعادةَ إلا بالاجتهاد في معرفة ما جاء به الرسول علمًا، والقيام به عملًا».1

أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين، قال جل في علاه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، لينقذهم من ظلمهم لأنفسهم، ويبعدهم عن الأعراض التي تنهشهم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.

من صور رحمته وتربيته وشفقته:

من أساليب التربية الناجحة التي استعملها النبي في تعليم صحابته رضوان الله عليهم ضربُ الأمثال، لما لها من أثر بالغ، وسرعة فائقة في تقريب المعنى إلى نفس المتلقي، ومدى رسوخها في العقل، وحسن بيان المقصود، ومن ذلك الحديث الرائع:

أخرج مسلم بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "مَثَلِي وَمََثلُكُمْ كمثل رجلٍ أوقد نارًا، فجعل الجنادبَ والفراشَ يقعن فيها وهو يذبُّهن عنها، وأنا آخذٌ بحُجَزِكم عن النار، وأنتم تَفلِتون من يدي". أخرجه مسلم.

وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجلٍ استوقد نارًا، فجعلت الدوابُّ والفراشُ يقعن فيه، فأنا آخذٌ بحُجَزِكم، وأنتم تقحمون فيه" متفق عليه

في الحديث الذي بين أيدينا، يضرب النبي المثل لايضاح صفةٍ من صفاته، وهي شدة حرصه على هداية الناس؛ وشفقته عليهم، فمثله كمثل من استوقد نارًا للاستضاءة أو الاستدفاء والانتفاع.

قال ابن حجر رحمه الله: «في الحديث ما كان عليه من الرأفة والرحمة والحرص على نجاة الأمة»، كما قال تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:128….2).

مفردات الحديث:

الجنادب: الجنادب والفراش حشرات متشابهة في كونها من الحشرات المجنَّحة، والجنادب تشبه الجراد أكثر من الفراش. الحُجَز: جمع حُجزة، وهي معقد الإزار أو السراويل. ذَبَّ: أي دفع.

تقحمون: التقحُّم هو الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبّت.

لماذا تنجذب الجنادب والفراشات إلى النار؟

للحشرات نظامُ ملاحةٍ بيولوجيٌّ متطور يجمع بين الإحساس بالضوء والحرارة. تندفع الجنادب والفراشات نحو النار أو الضوء لعدة أسباب 3:

- الانجذاب الضوئي:

كثير من الحشرات لها غريزة تتبع مصادر الضوء الطبيعية ليلًا، مثل النجوم والقمر، حيث تساعدها على تحديد الاتجاه أثناء الطيران.

- الحرارة والدفء: المصدر الضوئي لا يعطي ضوءًا فقط، بل حرارةً ودفئًا، فتنجذب الحشرة طلبًا للدفء، و بالاقتراب تصبح النار قاتلةً للحشرة الضعيفة.

- غياب إدراك الخطر: تملك الحشرة جهازًا عصبيًا بسيطًا غير متطور لا يربط بين النار والخطر، أي تفتقد القدرة على إدراك العواقب.

- الخداع البصري: الحشرة لا ترى كما نرى نحن؛ فعندما تقترب كثيرًا من المصدر الضوئي تفقد حاسة الرؤية، وتفقد الإحساس بالاتجاه، لأن عينها المركبة لا تدرك الخطر.

- كما أن انجذاب ذكور بعض الحشرات للأشعة فوق البنفسجية التي تثيره لعملية التزاوج، لكنه يفاجئ بمصيره بوقوعه في النار.

- بالاقتراب أكثر، ينهار نظام ملاحتها، فتبدأ بحركة دائرية حول المصدر الضوئي، فتخور قواها نتيجة الدوران، وسرعان ما تصطدم بالمصدر فتَهلك.

- للأسف الحشرة الصغيرة لا تستطيع الهرب، ولا تتعلم من رفيقاتها اللواتي هلكن قبلها.

إن بريق الدنيا مغرٍ وجذاب، يغوي العقول غير المستنيرة، ويطغى على القلوب الخاوية التي علاها الصدأ، فلا تفكر في عواقب الأمور، غافلةً عن الحق أو متغافلةً عنه، يسحب هذا البريق النفوسَ العليلة التي لا تطلب العلاج إلا في إرضاء هواها ومصالحها العاجلة.

إنهم المخالفون لسنته ، الجاهلون بها أو المتجاهلون لها، المستجيبون لكل ناعق يدعوهم للتسابق نحو مزيد من الحظوظ الدنيوية.

واللذات كثيرة متنوعة لا ينقطع، لكنها تتلون بألوان زاهية مغرية، تشد إليها المتعدين لحدود الله ومحارمه، المتهافتين على السراب؛ حيث يتقلبون من لذة إلى أخرى: البطن، الجنس، حب المال، الركون إلى الكسل والخمول، استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، الاستهلاك المسعور والترف القاتل، والجري وراء شهوة حب الظهور والشهرة، واتباع الشبهات المثارة هنا وهناك خاصة في زمن كثرت فيه الرويبضات والمتشدقون المتصدرون للمنصات.

هذا التنوع المغري يحجب الرؤية الحقيقية عن إدراك الخطر، ويصم الآذان عن سماع نداء الحق، وهو يدعوهم: هلموا إليَّ، آخذ بأيديكم إلى الرشاد، وأنقذكم من التيه والضلال.

إنهم يصرّون على الاقتراب أكثر فأكثر لتحقيق اللذات الوهمية، وإشباع نهَمهم، غير مبالين بالنتيجة الوخيمة، وكأن الواحد منهم في حالة انفصال عن واقعه الحقيقي، متقحما دون نظر، فلا يلبث أن يُصاب باضطرابٍ نفسيٍّ شديد يفقده توازنه، بانتكاس فطرته، فلا يميّز فيه بين الخير والشر، فيهوي في مهواة مهلكة، ولعياذ بالله

وهم في حالهم تلك، مع عدم مبالاتهم، قد اكتسبوا صفة الفراش أو الجندبة المندفعة نحو النار، الجاهلة لمصيرها، فلعمري إنهم أشد جهلا منهما.

قال النووي رحمه الله: «ومقصود الحديث أن النبي شبَّه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم، بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه، وكلاهما حريص على هلاك نفسه، ساعٍ في ذلك لجهله».4

ما أعظم شفقته وهوالقائل: "كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى".

قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". أخرجه البخاري

أليس أحق بالاتباع والطاعة من غيره للنجاة؟

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يتبعون سنة الحبيب ، المسارعين إلى العمل بها، وأن يحشرنا في زمرته، ونكون رفقائه في الجنة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

1- ابن القيم، أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن الجوزية، الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه، تح: محمد عزيز شمس، ط 5 دار عطاءات العلم -الرياض- و ط 1دار ابن حزم، 1440ه-2019م، ص:48.

2-ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن على بن حجر العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، تح: عبدالعزيز بن باز- محمد فؤاد عبد الباقي، ط1، دار مصر للطباعة، 1421ه-2001م، 11/443.

3-العلوم للعموم - لماذا تنجذب الحشرات للضوء، دراسة حديثة تحل لغزا عمره آلاف السنين - يوم 24/12/2024، 21:56، و مجلة الإعجاز -الدقة العلمية في الأمثال النبوية -د.محمد رفعت، يوم 29/12/2024، 10:56 – بتصرف.

النووي، محي الدين أبي زكرياء يحي بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، ط1، دار ابن الجوزي -القاهرة-، 1432ه-2011م، 15/43.


مقالات ذات صلة


أضف تعليق