حين كسرت عائشة صحن أم سلمة

2 دقائق
26 رجب 1447 (15-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

حين كُسِر الصحن… ولكن لم يُكسر البيت. أم سلمة رضي الله عنها ليست اسمًا عابرًا في سيرة أمهات المؤمنين، ولا امرأة عادية دخلت بيت النبوة مصادفة.

هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، شريفة النسب، عظيمة العقل، ثقيلة الرأي، امرأة ذاقت الفقد قبل أن تذوق التعويض. مات زوجها أبو سلمة، ذلك الصحابي الجليل، وتركها بأيتام صغار، وترك معها دعاءً خرج من قلب منكسر: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها».

قالتها وهي لا ترى في الدنيا من هو خير من أبي سلمة، بل كانت تقول في نفسها: ومن خير من أبي سلمة؟ لكن الله إذا استجاب، أدهش.

استجاب الله، فجاءها الخير من حيث لا يُتصوَّر: رسول الله يخطبها.

نبي هذه الأمة، وهو يعلم حالها، ويعلم غيرتها، ويعلم أن معها أيتامًا، ويعلم أنها بلا ولي حاضر يشهد عقدها. ومع ذلك، لم يتردد.

وحين جلست أم سلمة تُصارح النبي بما في نفسها، لم تتصنع ولم تُجمِّل الصورة. قالت: أما أنا فامرأة شديدة الغيرة، وأنت لك نساء، وأنا امرأة ذات أيتام، وأنا امرأة ليس لي ولي يشهد زواجي.

فكان جواب النبوة جواب طمأنة لا جواب خطبة.

قال لها : أما غيرتك فإني أدعو الله أن يذهبها عنك، وأما أيتامك فالله يكفيهم، وأما أولياؤك فليس فيهم حاضر ولا غائب يكرهني.

هكذا تُبنى البيوت: وضوح، وصدق، وطمأنينة من السماء.

دخلت أم سلمة بيت النبي ، ولم تدخل امرأة سهلة المقارنة. عقلها كبير، ورأيها راجح، وتجربتها عميقة. حتى عائشة رضي الله عنها، وهي أحب الناس إلى قلب النبي ، قالت: ما غرتُ من امرأة كما غرتُ من أم سلمة.

وهنا نحن أمام مشهد إنساني خالص، بلا تجميل ولا مثالية مصطنعة. غيرة، شعور، طبيعة بشرية.

النبي بشر، وزوجاته بشر، والغيرة ليست خطيئة، بل انفعال إنساني إذا وُضع في مكانه.

في يوم من الأيام، أرسلت أم سلمة طعامًا في صحن إلى النبي ، وكان في بيت عائشة. دخل الصحن، وسألت عائشة: من أين هذا؟

قالوا: من أم سلمة.

وهنا تحركت الغيرة، لا بالعقل، بل بالقلب. أخذت عائشة الصحن، فكسرته بين يدي رسول الله .

مشهد لو وقع في بيوتنا اليوم، لتحوّل إلى صراخ، واتهام، وجرح كرامات، وربما طلاق.

لكن ماذا فعل النبي ؟

لم يغضب، لم يصرخ، لم يعنف، لم يوبخ، لم يُحوِّل الخطأ إلى معركة.

ابتسم فقط، وقال: "غارت أمكم".

جملة قصيرة، لكنها أغلقت باب الشيطان كله.

اعترف بالمشاعر، واحتوى الموقف، ولم يُهِن أحدًا.

ثم عالج الخطأ بعدل هادئ: أخذ صحنًا من عند عائشة، وأرسله إلى أم سلمة بدل الصحن المكسور.

صحنٌ بصحن… وانتهى الأمر.

هكذا كان يحفظ بيته.

لا يكبت المشاعر، ولا يبرر الخطأ، ولا يضخّم الزلة.

يمتص الغضب، ويؤلف بين القلوب، ويُبقي للبيت حرمته.

هذا المشهد ليس قصة غيرة فقط، بل درس في إدارة الخلاف، وفهم الطبيعة البشرية، وحفظ العلاقات.

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

الرحمة لا تعني غياب الخطأ، بل حسن التعامل معه.

والنبوة لم تكن تعيش في بيت مثالي خالٍ من المشاعر، بل في بيت إنساني تُدار فيه المشاعر بحكمة.

حين كُسر الصحن… لم يُكسر القلب، ولم يُكسر البيت، لأن من كان فيه رسول الله .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق