نداء عاجل لكل عاضل

2 دقائق
26 رجب 1447 (15-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إنّ منع ابنتك أو أختك عن الزواج مطلقًا، أو عن زوج كفء صالح ارتضته حرامٌ، ويسمّى في الإسلام: (العضل).

وهو جريمة إنسانيّة، ومخالِفةٌ للشريعة الإسلاميّة.

ألا يتذكر هذا العاضل الظالم الآثم مرارة وحسرة من عضلها حينما منعَها من حقّها في الزواج، أو اختيارِ الزوج الذي ارتضته وركنت إليه؟؟

وكم من فتاة كرهت الزواج وعاشت طول عمرها عانس. بسبب منع هذا العاضل من الزواج حينما رغبت؟

فيبوء هؤلاء بالإثم. ولا تسأل عن الحسرة التي تُلازمهم طول حياتهم.

وكلّ من سعى في صدّ الفتاة البالغة العاقلة عن الزواج بكفء رغبته، سواء كان أخًا أو أبًا أو أمًّا أو أختًا أو عمًّا أو خالًا. وسواء منعوها صراحةً. أو قاطعوها. أو قسوا عليها. أو دلّسوا عليها ونفّروها منه. بذكر عيوب وهميّة. ك (فارق السنّ)، أو(قلّة الدخل)، أو(إذا تزوجت أختها الأكبر منها) أو نحو ذلك: فهؤلاء كلّهم قد ارتكبوا جريمةً عظيمة، ومخالفةً للدّين صريحة.

والعضل محرم؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ}.

وقد روى البخاري أنّ معقل بن يسار كانت أخته تحت رجل، فطلّقها ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم حنّ قلبه عليها ورغب الزواج بها بعد ذلك. فخطبها، ‌فامتنع ‌أخوها معقل من ذلك. وحمله على ذلك الغيظ والحنق عليه. فأنزل الله: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن}. فدعاه رسول الله فقرأ عليه، فترك الحميّة وامتثل لأمر الله تعالى.

ولهذا العضل آثارٌ سيّئة. فكم من فتاة وقعت في الحرام لمّا مُنعت من الحلال.

وكم من فتاة أُصيبت بمرض الاكتئاب والحزن الذي لازمها طول حياتها بسبب العضل.

وكم من فتاة انتحرت، وكم من فتاة كرهت الزواج وعاشت حياتها عانسًا.

وكم من فتاة حقدت على أختها التي تكبرها؛ بسبب منعها من الزواج حتى تتزوج أختُها.

وهناك قصةٌ لا أنساها أبدًا. فتاة شهدت لحظةَ احتضارِ والدِها، فالتفتت إليه وهو يَجود بروحه، ويتمنَّى أن يسمعَ ممن حوله كلمة طيبة يَختم بها حياته مرتاحَ البال، فإذا بابنته تلتفتُ إليه وتقول: أبي، قل: آمين، فقال: آمين، وهو يُعالِجُ سكراتِ الموت؛ لعلَّها تستغفرُ له، فَرَدَّدَت عليه الطَّلب، فأَمَّن الثانية والثالثة، فصاحت به: حَرَمَك الله من الجنة، كما حرمتني من الزَّواج، لسان حالها يلهج بالدُّعاء على من ظَلَمها، وأيُّ ظلمٍ أعظمُ من هذا الظلم الذي منعها حقَّها في إعفاف نفسها؟!

فكَمْ من رجل دَعَتْ عليه ابنته بَدَلَ أنْ تدعوَ له!

وكم من بنت تُكِنُّ لأبيها بُغضًا وكُرهًا بدل الحب والاحترام!

وما ذاك إلا لظُلمه لها وعضلها عن الزواج.

فيا ويل الذي عضلوا بناتهم أو أخواتهم.

فمن منا يرضى أن تكونَ ابنتُه أو أختُه خصمه يوم القيامة؟! والله - تعالى - يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ.

ومن رجح عقلُه، وكمل دينه: بحث لبناتِه عن الأزواج الأَكْفَاء، فتلك سنة الصالحين؛ قال الله عن الرجل الصالح: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.

وهذا عمر رضي الله عنه يعرض ابنتَه حفصة على أبي بكر؛ ليتزوجَها، ثم على عثمان رضي الله عنهم أجمعين.

وسعيد بن المسيِّب - رحمه الله - يُزوِّج أحدَ تلامذَتِه بابنته التي خطبها إليه الخلفاء، فأَبَى إلاَّ أن تكون في حِجْر طالب علم، ولو كان فقيرًا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق