بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
عنصر المفاجأة دائمًا يَصنع لحظات استثنائية، ويفتح أبوابًا للآفاق المعرفية، فيجعل الرسالة التربوية أكثر عُمقًا وترسيخًا.
نحن الكبار قد ننسى تفاصيل الأيام مرورًا، لكنّ الطفل يتذكر أصغر اللحظات وأكثرها أثرًا في نفسه، تلك اللحظة التي اتسعت بها عيناه، وبكل دهشة يفتح فمه ب "وااو"!! هذه اللحظة بالذات بكل ما تحمله من معاني عميقة الأثر لا تُقدّر بثمن. لأنها ليست انبهار لحظيّ مُؤقت، بل درس استقاه يتعلّم منه الاكتشاف.
لنتأمّل. مَاذا لو بدأت حصة اللغة العربية بمشهد جذّاب يحرّك الخيال؟ ومَاذا لو دخلت معلمة الرياضيات بعلبة بسكويت فيها ١٢ قطعة لتشرح درس القسمة عمليًا بين أربع طالبات؟ أوختمت معلمة الدراسات الإسلامية درسها بتوزيع المسواك على طالباتها، وحثهم على استخدامه تأسيًّا بسنة حبيبنا صلى الله عليه وسلم؟ تلك المواقف البسيطة تغرس معانٍ عظيمة ذات أثر، لا تحققها الحصص التقليدية.
ولا تقتصر لحظات "وااو" على المدرسة فقط. ففي المنزل تستطيع الأم أن تَصنع هذه اللحظات بسهولة. كأن تُجهّز وجبة الطعام بطريقة مُحببة خارجة عن المألوف، فيتفاجأ بها طفلها. أو تشاركه بتجربة بسيطة كنفخ فقاعات الصابون ومراقبة أشكالها اللامعة المتطايرة. أو تستخدم مصباحًا صغيرًا وتعمل أشكال بيديها على الحائط، ويتفاعل الطفل بمشاهدة أشكال الظل وتغيرها أمامه. أو طيّ الورقة على شكل قارب صغير وتجعل طفلها يجربها على الماء فيندهش "وااو" من طفو القارب!
والأمثلة كثيرة سواء من الطبيعة الحيّة، أو عبر الفن والإبداع، أو من خلال اللعب العملي التفاعلي والأنشطة الحسيّة، أو حتى باستخدام التكنولوجيا البسيطة، فجميعها ميادين خصبة لصناعة شغف الاكتشاف.
اللحظات التربوية الاستثنائية لا تحتاج إلى ميزانية عالية، بل إلى قلب حاضر يحمل همّا تربويًا، ويَحتضن أبسط الأفكار. فالتربية بالدهشة ليست ترفًا ولا موقفًا عابرًا، بل هي فنّ يحتاجه كُل مُربّي لِيَزرع بذرة صغيرة تحمل إرثًا من فضول وشَغف مَعرفيّ، يتحوّل مع مرور الزمن إلى ذكرى مُؤثّرة وحُلم كبير.
لا يكفي أن نَصنع موقفًا مُدهشًا مرة كل شهر فقط! بل علينا أن نَحيا في بيئة تَنبض بالاكتشاف والإلهام. عندها تغدو التربية رحلة ممتعة، متجددة، باقية الأثر.
ويبقى السؤال المهم: هل نحن ممن يَصنع لحظة "وااو" تبقى في القلب؟