بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
بيان حكم التشقير موقوف على بيان ثلاث مقدّمات:
١- هل هو داخل في حقيقة النمص؟
٢- هل هو مشارك له في علته؟
٣- هو هل هو مشابه له في صورته؟
والمراد بالتشقير هنا: التشقير العاديّ (تشقير الصوالين) لا التشقير الآلي (تشقير العيادات) فالأخير فيه معالجة واستئصال للشعر.
أولًا: حقيقة النمص:
النمص مختلف في مدلوله، بين من:
يفسره بالنتف لشعر الوجه عموما. ويُخرِج الحلق والقص من مدلول النمص. وهذه طريقة الحنابلة.
أو يفسره بإزالة شعر الوجه مطلقا، بنتف أو قص أو حلق أو غير ذلك.
وهذه طريقة الجمهور.
فيتحصل لنا هنا من التفسيرين أربع صور، يقع الاشتراك بين الحنابلة والجمهور في صورتين:
نتف شعر الحاجبين خصوصا؛ فهذا نمص على قول الجميع.
نتف شعر الوجه عموما. فهذا نمص على قول الجميع.
ويقع الاختلاف في صورتين:
حلق شعر الوجه. فهذا نمص عند الجمهور دون الحنابلة.
حلق شعر الحاجبين خصوصا. فهذا نمص عند الجمهور دون الحنابلة.
وبناء على ما تقدم؛ فالتشقير إنما يُتّخذ في الحواجب عادة، فينظر فيه من جهتين:
- هل هو نتف؛ فيكون نمصًا باتفاقهم؟
- أو هو إزالة بغير نتف؛ فيكون نمصا عند الجمهور دون الحنابلة؟
الظاهر: أن التَّشقير العاديَّ ليس فيه نتف، ولا إزالة للشعر؛ لأنه أقرب للصبغ والتلوين لأطراف الحواجب؛ حتى تظهر رقيقة حسنة.
وعليه؛ فلا تنطبق عليه حقيقة النمص لا بمفهوم الحنابلة ولا بمفهوم الجمهور.
فإن كان كذلك؛ كان التشقير خارجا من مفهوم النَّمص، لكن يبقى النَّظر بعد ذلك في علّة تحريم النَّمص: هل تشمل التشقير أم لا؟
ثانيًا: علَّة النَّمص:
والكلام في مقامين:
الأول: تعيين علّة النّمص.
الثاني: تحقيق علّة النّمص في التشقير.
المقام الأول: تعيين علة النمص:
اختُلِف في تعيين علّة تحريم النّمص على أقوال:
- فمنهم من جعل العلة هي التغيير لخلق الله.
- ومنهم من جعل العلة التدليس.
- ومنهم من جعلها التَّزيُّن للأجانب.
- ومنهم من جعلها التّٰشبُّه بالفاجرات.
والعلّتان الأخيرتان ضعيفتان؛ لعدم التأثير؛ إذ يحرم النَّمص بدونهما، ولعدم اختصاصهما بالنَّمص.
ولهذا اختلفت مسالكهم:
فمن علَّل بعلّةٍ سوى علة تغيير خلق الله، أو جعل علَّة تغيير خلق الله جزءَ علةٍ وضم معها علّةً أخرى غيرها كالتدليس؛ فإنه يبيح النَّمص بإذن الزوج غالبا؛ لانتفاء العلل الأخرى في حقه، وعلة تغيير الخلق لا تصلح وحدها للحكم عنده.
وأما من علل بعلة تغيير خلق الله مفردة؛ فهذا يمنع من النَّمص مطلقًا، ولا يبيحه لا بإذن زوج ولا غيره.
وأقوى العلل اطّرادا واستقامة هنا: هي علة التغيير لخلق الله، والمقصود به التغيير الدائم؛ فلا يرد عليه ما أورده بعضهم من أن طلب الزينة مشروع ولا بد فيه من نوع تغيير للخلقة، إذ الضابط هو التغيير لأصل الخلقة على الدوام.
كما أن هذه العلة هي العلة المنصوصة في الحديث، والعلل الأخرى عللٌ مستنبطة، وإذا تعارضت العلتان؛ فالمنصوصة مقدمة، ولا يجوز أن تلغي العلة المستنبطةُ العلةَ المنصوصة.
وعلّة التدليس أيضا علّة معتبرة بل منصوصة؛ لورودها في حديث معاوية رضي الله عنه عن النبي ﷺ في الوصل أنه من الزُّور، لكن لا على شرط اجتماع العلّتين: التغيير والتدليس معا، بل كل واحدة منهما علة مستقلة يثبت بها الحكم، ويكون هذا من تعليل الحكم الواحد بعلّتين في حالين لا في حال واحدة.
المقام الثاني: تحقيق علَّة النَّمص:
إذا تعيّنت لنا علة تحريم النَّمص؛ أتينا إلى صورة (التشقير) لنبحث في تحقق علّة النمص فيها؛ فننظر هل هي مشتملة على إحدى العلتين الصحيحتين في تحريم النمص أو لا؟
- أما التغيير الدائم للخلقة؛ فالصبغ ليس فيه تغيير دائم. بل هو تغير مؤقت يعود ويتجدد.
- وأما التدليس؛ فهو محتمل، إذ ربما كان في التشقير بهذه الصفة ما يخفي حقيقة الحاجبين كما يقع بالنمص، بل ربما كان أبلغ.
فهذا محلُّ نظر قوي.
ثالثًا: مشابهة التشقير للنمص:
وهذا مناط مستقل؛ فلو قُدِّر أنّ التشقير لا يدخل في النَّمص لا لفظا ولا معنى، فيبقى النظر في أمر الشبه، وهذا هو قياس الشبه المعروف؛ ولا ريب أن تشقير الحواجب بالهيئة المعروفة بصبغ الشعر بلون قريب من الجلد يجعل صورة الحاجب بعد التشقير تشبه صورة الحاجب بعد النمص.
وهنا يتردد التشقير بين أصلين:
- أحدهما: صبغ الشعر وتلوينه.
- الثاني: نمص الشعر وترقيقه.
فهو يشبه النمص؛ لما فيه من إظهار الحاجبين رقيقين.
ويشبه الصبغ؛ لما فيه من تغيير لون الشعر إلى لون آخر.
وإذا تردَّد الأمر بين هذين الأصلين؛ فلا بد من مرجِّح خارجي.
- فقد يُرجّح بأن الأصل في الزينة الإباحة وهذا التشقير لم يثبت أنه نمصٌ لا لفظا ولا معنى؛ فيبقى على أصل الإباحة.
- وقد يرجّح بأن الأصل الاحتياط في المشتبهات، وهذا التشقير من المشتبهات؛ فيترك ولو تنزيها.
على أنَّ علة التّدليس قويّة كما تقدم، والله أعلم.