من أدلة صدقه عليه الصلاة والسلام شدة محبة الصحابة له

4 دقائق
28 رجب 1447 (17-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

من طبيعةِ العقولِ السليمةِ أنها لا تُسلِّمُ للدعاوى إلا بحجةٍ بيّنة، ولا تقبلُ مسألةً فيها خلافٌ إلا بدليلٍ صحيح وبرهانٍ قاطعٍ يورثُ اليقين ويُزيلُ الشك. وكلما عظُمَت الدعوى، عظمت المطالبةُ بالدليل.

وحين يأتي رجلٌ فيقوُلُ إنه رسولٌ من عندِ الله، وأنه مؤيّدٌ بالوحي، وأن طاعتهُ فريضة، وأنَّ النجاةَ مُعلّقةٌ بتصديقه واتباعه، فللعقل أن يقفَ وقفةَ تمحيصٍ وتثبُّت، ويسأل سؤالًا بديهيًا: وما الدليلُ على صحة هذه الدعوى العظيمة؟.

وحيثُ أنَّ الأدلة التي تثبتُ صدق الرسول كثيرةٌ ومتنوعة، فقد اخترت منها اثنا عشر دليلًا مختلفًا. أفردتُ كلًّ منها في مقالٍ مستقل، لتشكل في النهاية سلسلةً من المقالات المتآزرة، تشهدُ على صدق الرسولِ شهادةً لا يبقى معها أدنى ريبٍ ولا شك. (والسلسلة كلها منشورةٌ في هذا الموقع المبارك بحمد الله). وفي هذا المقال سأتناولُ الدليلَ الثالثَ منها وهو: شِدّةُ محبةِ الصحابةِ له .

أيّها القارئ الكريم: لو ذهبنا نُفتّشُ في تاريخ العلاقاتِ البشرية كلها، فلن نجدَّ أبدًا أنَّ أُناسًا أحبوا رجُلًا حُبًّا استولى على شِغافِ قلوبهم، وملَكَ عليهم كلَّ عُقولهم وأرواحِهم، حتى قدّموهُ على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، مثلما فعلَ الصحابةُ رِضوانُ الله ِعليهم مع النبيّ .

وكان ذلك واضحًا ومشتركًا لدى الجميع، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا. حتى أنَّ عليًا رضي الله عنه حين سُئل: كيفَ كان حُبكم لرسول اللهِ ؟ قال: *كان واللهِ أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا وأبنائنا وأمهاتنا ومن الماء الباردِ على الظمأ*.

وقال عمرو بن العاص: *واللهِ ما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول اللهِ ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنتُ أُطيقُ أن أملأ عينيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئلتُ أن أصفهُ ما أطقت، لأني لم أكن أملأُ عينيَّ منه*.

ثم إنَّ أولئك الذين آمنوا به وصدقوه، لم ينبهروا به إلا بعدَ معايشتهم له، ولم يتعلقوا به إلا بعدَ رؤيتهم لكماله الأخلاقي عن قرب، وقد جرت العادةُ أنّ العكسَ هو ما يحدث، لأنّ القربَ من الأشخاص العاديين يكشفُ عيوبًا كانت خافية، بينما نجدُ في حالة الرسولِ أنَّ الحُبَّ الكبيرَ والتعلقَ العظيمَ بشخصيته لم يظهر إلا بعدَ معايشتهِ والقربِ منه . يجسدُ ذلك قولُ ثمامةَ بن أثالٍ رضي الله عنه عندما أسلم: *واللَّهِ ما كانَ علَى الأرْضِ وجْهٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِن وجْهِكَ، فقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ كُلِّهَا إلَيَّ*.

وقد ترجم الصحابة تلك المحبةَ العجيبةَ عمليًا، فقد بذلوا أرواحهم ودماءهم وأموالهم رخيصةً في سبيل الله وطاعةً لرسول اللهِ وقالوا له: *يا رسولَ الله، هذه أموالنا بين يديك، خذ منها ما شئت ودع منها ما شئت، وما أخذتهُ منها كان أحبَّ إلينا مما تركته، وهذه أرواحنا بين يديك، فامض بنا حيثُ أمركَ الله، فوالله لو استعرضت بنا البحرَ لخضناهُ معك ما تخلفَ منا أحد*.

ثمَّ إنَّ مظاهرَ هذه المحبةِ العجيبةِ كانت مُلفتةً لنظر الأعداءِ قبل الأصدقاء، يقولُ عروةُ بن مسعود الثقفي رضي الله عنه قبلَ اسلامه: *واللهِ لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، واللهِ ما رأيتُ ملكًا قطُّ يعظمهُ أصحابه، ما يعظمُ أصحابُ محمدٍ محمدًا*.

وكذلك قال أبو سفيان رضي الله عنه قبل اسلامه: *ما رأيتُ من الناس أحدًا يُحبُّ أحدًا، كحبّ أصحابِ محمدٍ محمدًا*.

والسّيرةُ الصّحيحةُ مليئةٌ بمئات الشواهدِ على ذلك. خُذ على سبيل المثالِ ما فعلهُ أبو بكرٍ الصدِيق رضي الله عنه أثناءَ الهجرة، ثمّ تبرعهُ بكلِّ ماله، وحينَ يُسأَلُ ماذا تركتَ لأولادك؟ يقول: تركتُ لهم اللهَ ورسوله، والفاروقُ رضي الله عنه يقول: *واللهِ لأنتَ أحبُّ إليَّ من أهلي ونفسي يا رسول الله*، وثوبانُ رضي الله عنه يجلسُ في بيته فلا يُطيقُ صبرًا حتى يأتيهِ فينظرَ إليه، وخبيبُ بن عدي رضي الله عنه يقول عند قتله: *لو أعلمُ أنَّ محمدًا ﷺ تُصيبهُ شوكةٌ لفديتهُ بنفسي*.

ودفاعُ الصحابةِ عنه في يوم أُحدٍ معروفٌ مشهور. فقد قُتلَ دونهُ عددٌ كبيرٌ من الصحابة، وفقدَ طلحةُ ابن عبيد الله يدهُ دفاعًا عنه، وترَّسَ أبو دجانة عليه بنفسه، فيقعُ النّبلُ في ظهره، وهو منحنٍ عليه حتى كثرُ فيه النبل. وباشرت أُم عِمارة المازنيةَ القتالَ والذبَّ عنه بالسيف والقوس؛ حتى أثخنتها الجراح. وبُعيدَ انتهاءِ المعركةِ قيل لامرأةٍ من الأنصار احتسبي أبيك وابنك وزوجك وأخيك فقد قتلوا جميعًا. قالت: وما فعل رسولُ الله قالوا: هو سالمٌ بحمد الله، قالت: حتى أراه، فلما رأتهُ قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أُبالي إذا سلمت. وغيرَ ذلك من المواقف كثيرٌ جدًّا.

والعقلُ يجزمُ أنَّ محبةً بهذا المستوى المدهِش، لم تكن لتَحصُلَ إلا ليقِينهم التَّامُّ بصدقه وصحةِ ما يدعو إليه، ووضوحِ ما رأوهُ من دَلائِلِ نبوته، ولحُسنِ أخلاقهِ، وروعةِ تعامُلهِ . فهي بهذا من أقوى الأدلةِ على صدقه وصحةِ دعوته . ووالله لو كان كاذبًا -وحاشاه- ما اجتمعت عليه قلوبُ أولئك الصفوةِ، ولا منحوهُ تلك المحبةَ العجيبة، ولما قدّموه على كلّ محبوب. وصدق الله: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} [التوبة:128].

وهكذا يتبيَّنُ لكل منصفٍ أنَّ شدة محبة الصحابة له برهانٌ من أعظم البراهين القاطعة على صدقه، وأنه نبيٌّ مؤيَّدٌ من ربه، ناصحٌ في دعوته، مخلصٌ في تبليغه، ومن لم يقنعه هذا، فلن يقنعهُ برهان، ولن يهديه بيان.

ومع ذلك ففي المقال التالي، سنعيشُ مع شاهدٍ آخر من شواهد الصدق النبوي. فنسألُ اللهَ أن يشرح صدرونا جميعًا للحق، وأن يهدينا سواء السبيل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق