بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن روح الإنسان هي مِلكٌ لله عزوجل فهو الذي خَلقها ودَبَّر أمرها وتولى رِزقها وموتها وفي هذا الزمان إنتشرت ظاهرة الإنتحار بكثرة خصوصا في البلاد الإسلامية والإنتحار هو أن يقوم الإنسان بإنهاء حياته بيده وهذا في الإسلام محرم بل هو من كبائر الذنوب فالذي ينتحر إما أنه يريد أن يصل إلى شيء ما ولم يستطع الوصول إليه فيذهب مباشرة للإنتحار بسببه أو أنه أراد الفِرار من شيء ما ولم يستطع الفِرار منه فقرر الإنتحار بسببه إعتقادا أنه الحل الأنسب له فالأول مثل من يبحث عن سكن أو عمل أو زواج. الخ.
والثاني مثل من له مضايقات سواء كانت عائلية أو إجتماعية أو سياسية أو ربما دُيون. الخ، وهذا كله من باب القلق المتواصل والغضب الزائد والوسواس الحاد والخوف من متاعب الحياة والحزن على ما مضى من وجع وألم فالإنتحار هو بمعنى مجموعة من ضغوطات في وقت واحد مع شدة الغضب والقلق أو الحزن والخوف والوسواس حتى يرى في تلك اللحظة أن كل أبواب الدنيا قد أُغلقت في وجهه وفي تلك اللحظة يستغل إبليس الفرصة ليُلقي فكرته في قلبه آلا وهي ”إنتحر وروحك هم من سيحاسبون عليها لأنهم هم السبب” فإن قبل فكرته خسر الدنيا والآخرة وإن تراجع عن القرار واستغفر الله ذهب عنه الخبيث بخبثه ذاك فالإقدام على الإنتحار هو نتيجة ضُعف الشخصية في النفس مع ضُعف الإيمان في القلب فهذان سببان يجعلان من الإنسان يُفكر في الإنتحار بشكل يومي والله المستعان.
وأما عن ضُعف الإيمان فقد قال الشيخ الفوزان حفظه الله (العقيدة الصحيحة هي الدافع القوي إلى العمل النافع والفرد بلا عقيدة صحيحة يكون فريسة للأوهام والشكوك التي ربما تتراكم عليه فتحجب عنه الرؤية الصحيحة لدروب الحياة السعيدة حتى تضيق عليه حياته ثم يحاول التخلص من هذا الضيق بإنهاء حياته ولو بالإنتحار كما هو الواقع من كثير من الأفراد الذين فقدوا هداية العقيدة الصحيحة) عقيدة التوحيد له ص (11) فالعقيدة الصحيحة من دوافع قوة الإيمان ومن مراتب هذا الإيمان هو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره وحُلوِه ومُرِه فهذا الإيمان يقوي الصبر ويزيد في القناعة والرضا ويجعل من صاحبه يُحس بمعية الله له في كل وقت وهذا النوع من الإيمان هو طريقٌ إلى التحدي أي تحدي الصِعاب مهما كانت وكتابة المجد بحروف من ذهب ومن هذه الحروف هي تقديم الأسباب المشروعة والتوكل على الله بصدق ودعاء الله بإخلاص في الفرج وغيره. الخ
وأما عن ضعف الشخصية فقد قال أحد الكُتاب المعاصرين (الذي ينتحر له شجاعة كبيرة فلماذا لا تكون تلك الشجاعة لتحدي الظروف القاسية مع الزمن ويصبر عليها) فالشجاعة على الإنتحار تعادلها شجاعة على الإنتصار أي إنتصارٌ على الباطل وإنتصار على الظلم والمتاعب. الخ فالشخص الذي ينتحر له شجاعة، فقط هو مطالب بأن يقوم بتغيير هذه النظرية من الإنتحار إلى الإنتصار فيقوم بتغيير حرف واحد فقط وهو الصاد بدل حرف الحاء ثم يعمل على هذا التغيير الإيجابي ولو عن طريق الرحيل فالرحيل باب التغيير أي تغيير السلبيات وتغيير السيئات إلى الإيجابيات والحسنات فلكل إنسان قدرة على النصر والنصر لا يأتي من الكسل بل بالعمل والمثابرة وقد قال ﷺ: "لا يتمن أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات إنقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" رواه مسلم، وفي رواية للبخاري قال: "ولا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا وإما مسيئا فلعله أن يُستعتب" فالنبي ﷺ نهانا عن تمني الموت فمبالك بالإنتحار وإذا عَلِمنا أن عمر الإنسان المؤمن لا يزيد إلا خيرا فلماذا الإقبال على أمر طريقه إلى النار وقد قال ﷺ: "ومن قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة" متفق عليه.
وهنا نطلب مِن كل مَن يُفكر في الإنتحار طلبين وهما أولًا نقول له جرِّب قبل أن تنتحر أن تصوم يومين متتاليين بلا أكل ولا شرب ولا نوم في النهار والليل معا وقم بربط الصيام في هذين اليومين فهل ستقدر على تحمل مشقة الجوع والعطش والنُعاس قرابة ثمانِ وأربعين ساعة كاملة طبعا ستقول لا، فكيف ستتحمل الجوع والعطش مع مذاق العذاب في جهنم وأنت تعلم أنك تسير إليها بخطوة الإنتحار؟ والطلب الثاني نقول له أنت تعلم أن الإنتحار معصية من المعاصي ويُصنف من الكبائر وصاحبه يستحق العقوبة فامتحن نفسك قليلا بوضع أحد أصابعك في نار الدنيا مدة دقيقتين فقط فهل لك طاقة على التحمل أم لا؟
الجواب طبعا لا لأنه سيحترق ويتألم بها كثيرا ونار الدنيا هي جزء من سبعين جزء من نار الآخرة لقوله ﷺ: "نَارُكُمْ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نَارِ جَهَنَّمَ" قيلَ”يا رَسولَ اللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً”قالَ: "فُضِّلَتْ عليهنَّ بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا" رواه الشيخان فكيف ستتحمل هذه النار يوم القيامة لأيام وأعوام طويلة عفانا الله وإياكم من حريق جهنم وعذابها وقد قال ﷺ: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن شرب سُما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردى في جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" رواه الشيخان، وقال أيضا: "إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" رواه مسلم.
فيا أيها المسلم فكر قبل أن تنتحر واستغل هذه الفرصة حتى لا تقول هذا الكلام يوم القيامة {يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} الأحزاب (66)، ففي ذلك الوقت لا ينفع ندم النادمين ولا بكاء الباكين وأنت وأنا اليوم مطالبون بإصلاح العقيدة أولًا فهي رأس الحياة حينها يكون التوكل على الله ممزوج بالصدق ويكون الإيمان بالله ممزوج بالإخلاص له فلا يقع في قلوبنا شك ولا سوء الظن بالله ثم نملأ أوقاتنا بالعمل الصالح والعلم النافع لأن الفراغ الروحي داء على أصحابه وقد قال أحدهم (من الصعب أن تبقى هادئا إن لم يكن لديك ما تفعله) حِكم ومواعظ للأستاذ رميته ص (18)، فالوقت جزء من الحياة فإن ضاع ضاعت معه الحياة وهنا سيدخل الملل إلى القلب ثم يبدأ بالتفكير في السلبيات ومن السلبيات الإنتحار عفانا الله منه وإياكم ونسرد لكم هذه القصة الحزينة قال سهل بن سعد: *أن رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي ﷺ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا" فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جُرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه بين ثديه حتى خرج من بين كتفيه فأقبل الرجل إلى النبي ﷺ مسرعا فقال أشهد أنك رسول الله* رواه البخاري.
ولهذا قال بعض السلف *فإن الحي لا تُؤمَّن عليه الفتنة* أي مهما بلغ في صلاحه ورغم مِن أن الذي ينتحر هو أقرب إلى النار من المغفرة بدليل كل هذه النصوص إلا أننا لا يجوز لنا أن نشهد لأحد بالنار باسمه مجردا إن مات من أهل القِبلة ونقول في حقه *إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له* وندعوا له بالرحمة والمغفرة فقد يكون أصيب بسحر فهناك من يصاب بالسحر الأسود فيقتل نفسه دون إرادته أو يكون به داء الجنون والقلم عليه مرفوع وحكمه عند الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بدليل ما أخرجه مسلم في صحيحه.
باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يُكفر *وهذا جزء من الأثر*. فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مُغطيا يديه فقال له ما صنع بك ربك؟ فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ فقال ما لي أراك مُغطيا يديك؟ قال قيل لي لن نُصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم وليديه فاغفر" برقم (116).