بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
القرآن ليس مجرد صوتٍ يُملأ به الفراغ، ولا صوت في الخلفية يُشغَّل لتزكية اللحظة، بل هو خطابٌ إلهيٌّ يُلقى على القلب قبل الأذن، ويُراد له أن يُستقبل استقبال الضيف الجليل، لا أن يُزاحم في زحام الانشغالات.
حين سُئل أهل العلم عن الاستماع للقرآن في أحوالٍ شتّى: في السيارة، أو حال الاضطجاع، أو أثناء العمل، لم ينطلق الجواب من زاوية الشكل، بل من جوهر المعنى. فالأصل أن الاستماع إلى كتاب الله عبادة، والعبادة لا تُقاس بالحركة والسكون، وإنما بحضور القلب. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
أمرٌ عام، لم يُقيَّد بهيئة دون هيئة، ولا بحال دون حال.
فالإنسان يستمع إلى القرآن قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، كما كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، وكما قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه" (رواه مسلم). وليس في الاضطجاع امتهان، ولا في الجلوس تقصير، ما دام القلب حاضرًا، والسمع مُصغيًا.
لكن الإشكال لا يبدأ من الجسد، بل من التزاحم الداخلي. حين ينشغل القلب انشغالًا لا يترك للقرآن حيّزًا، يصبح الاستماع صورةً بلا روح. ولهذا كان التنبيه: إن كان العمل يشغل الذهن ويستغرق الفكر، فالأولى ألا يُشغَّل القرآن حينها؛ لا تعظيمًا للعمل، بل تعظيمًا لكلام الله. لأن الجمع بين انشغالين متنافرين يفضي غالبًا إلى إضاعة أحدهما، وغالبًا ما يكون القرآن هو المُهمَل.
ومن هنا نفهم القاعدة الدقيقة: متى أمكنك أن تستمع إلى القرآن على وجهٍ تُنصت فيه وتنتفع، فافعل، أيًّا كانت حالك. أما إن كان القلب موزَّعًا، والعقل مستغرقًا في أمرٍ لا يسمح بالإنصات، فالتأجيل أولى من الاستهانة. فالله عز وجل يقول: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4].
وقلبٌ واحد لا يحتمل خطابين في آنٍ واحد إذا كانا يطلبان التركيز الكامل.
أما الاستماع للقرآن أثناء قيادة السيارة، فليس أمرًا واحدًا في جميع الأحوال. فالقيادة البسيطة، في الطرق الهادئة أو السريعة المستقيمة، لا تستغرق من الذهن ما يمنع الاستماع، بل قد تكون وسيلة لربط الطريق بالذكر، والزمن بالطاعة. أما القيادة التي تحتاج تركيزًا شديدًا، أو تمر بظروف خطرة، فحينها يتقدَّم حفظ النفس والانتباه، ويؤجَّل الاستماع إلى وقتٍ يكون القلب فيه أفرغ.
ولا حرج على من غلبه النوم أثناء الاستماع، فالنوم ليس إعراضًا، وإنما ضعفٌ بشريّ. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد، حتى يذهب عنه النوم" (متفق عليه)، والقياس في هذا المعنى ظاهر: أن العبادة مع غياب الوعي لا تُطلَب، ولا يُؤاخَذ الإنسان عليها.
والخلاصة أن القرآن لا يُمنع في حالٍ، ولا يُفرض في حالٍ، وإنما يُراعى فيه المقصد. إن كان استماعك يزيدك قربًا، ويوقظ فيك المعنى، فاستمع حيثما كنت. وإن كان سيُزاحَم في قلبك، ويُلقى على أذنٍ غافلة، فإكرامه أن تنتظر له وقتًا يليق به.
فالقرآن ليس مجرد صوتٍ حسن، بل رسالة. والرسائل لا تُقرأ على عجل، ولا تُسمَع على غفلة، وإنما تُتلقّى بقلبٍ واحدٍ فارغ، لأن الله لم يجعل للإنسان قلبين في جوفه.
والله أعلم.