بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
ليست الطَّهارةُ ماءً يُصَبُّ على الجسد فحسب، ولا حركاتٍ تُؤدَّى قبل الصلاة، بل هي رسالةُ إصلاحٍ شاملة، تبدأ من أعماق القلب، ثم تمتدُّ أثرًا إلى ظاهر الجوارح.
إنَّها نداءٌ ربَّانيٌّ يوقظ الضمائر، ويُهذِّب السلوك، ويُعيد للإنسان صفاءه الذي خُلِق عليه.
أمرَ اللهُ المسلم أن يُطهِّر باطنه من أخطر الأدران: من الشِّرك الخفي، ومن حسدٍ يُفسد النيات، وكِبرٍ يُعمي القلوب، وحقدٍ يُثقِل الصدور.
كما أمره أن يُطهِّر ظاهره من النجاسات والقاذورات، ليجتمع النقاءان: نقاء القلب ونظافة الجسد، وحينها فقط يستحق العبد تلك المنزلة العظيمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
والطَّهارة ليست تكلُّفًا، بل فطرةٌ وكرامة.
فالإنسان بطبعه يتزيَّن ويتنظَّف إذا همَّ بلقاء عظيم من عظماء الدنيا، فكيف إذا كان اللقاء مع ربِّ العالمين؟ كيف نقف بين يديه في الصلاة وقلوبُنا مثقلة، أو أبدانُنا غافلة عن أمره؟
لأجل ذلك كانت الطهارة مفتاح الصلاة، والصلاة صلةً بين العبد وربه.
طهارةٌ من الحدث تُعيد للروح استعدادها، وطهارةٌ من النجاسة تُهيِّئ الجسد للوقوف الشريف.
ظاهرٌ نظيف، وباطنٌ سليم، فيلتقي الجسد والروح على باب الطاعة.
إن الطهارة تربيةٌ يومية، يتعلَّمها الصغير، ويجدد بها الكبير عهده مع الله.
هي إعلانٌ صامت بأن هذا العبد يريد القرب، ويسعى للنقاء، ويختار طريق المحبة الإلهية.
فطهِّر قلبك قبل أن تغسل يديك، ونقِّ نيتك قبل أن تقف في محرابك، واجعل طهارتك عبادةً تُصلح الداخل، وتُشرق على الخارج…
فهكذا تُبنى الصلوات الحيَّة، وتنهض القلوب، وتسمو الأرواح.