هل الصحابة معصومون من الخطأ

3 دقائق
22 شعبان 1447 (10-02-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

من أعظم ما يلفت النظر في علاقة الصحابة بالقرآن أنهم دخلوا عليه دخول المتجرد، لا دخول المحمَّل. لم يحملوا معهم جاهلياتهم، ولا سوابقهم، ولا تصوراتهم القديمة ليُسقِطوها على النص، بل خلعوا كل ذلك على عتبة الإسلام، ثم دخلوا نظيفين. كما قال بعض السلف: كانوا إذا دخلوا الإسلام خلعوا الجاهلية وراء ظهورهم . لا يفاوضون القرآن، ولا يشترطون عليه، ولا يقولون: هذا يناسب واقعنا وهذا لا يناسب، بل يقولون: سمعنا وأطعنا.

هذا التجرد هو السر الكبير. الخلفيات لم تكن تحكمهم، والتاريخ الشخصي لم يكن يقيدهم، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الماضي الأسود. دخلوا القرآن وهو يصوغهم من جديد، لا وهم يحاولون تطويعه. ولذلك كان القرآن أكثر ما تمثّل بعد رسول الله في جيل الصحابة. لم يُرَ في التاريخ بشرٌ جسّدوا القرآن قولًا وعملًا كما جسّدوه هم.

ولم تكن هذه المسألة مصادفة، بل اصطفاء. يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد خير قلوب العباد قلب محمد ، فاصطفاه لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد خير قلوبهم قلوب أصحابه، فاصطفاهم لصحبة نبيه . قلوب أبرّ، وتكلف أقل، واستجابة أسرع.

لهذا قدمهم القرآن في الفضل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].

رضا متبادل، لا لأنهم ملائكة، بل لأنهم صادقون.

الصحابة لم يكونوا معصومين. وقعت منهم الزلات، بل والكبائر. فيهم من زلّ في شهوة، ومن غلبته نفسه، ومن أخطأ خطًا جسيمًا. لكن الفرق أن الذنب لم يتحول عندهم إلى هوية، ولا إلى حالة إقامة. ما كانوا يقيمون عند الخطيئة، بل يفرون منها إلى الله. التوبة عندهم كانت حقيقية، موجعة، صادقة.

انظر إلى قصة الثلاثة الذين خُلّفوا: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة: 118].

هذا وصف نفسي دقيق. ثم ماذا؟

﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.

تاب عليهم أولًا، فتابوا هم. لأن الصدق كان حاضرًا.

وفيهم من جاء يعترف بذنبه، لا لأن الاعتراف واجب، بل لأنه يريد التطهر. والنبي يرده، وهم يصرون. ليس هذا فقه الحدود، بل فقه القلوب. وفيهم من كان يُجلد في الخمر، فيلعنه بعض الصحابة، فيقول النبي : "لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إلا أنه يحب الله ورسوله". ذنب لم يسقط المحبة، لأن الأصل كان صحيحًا.

إذا أردنا اليوم أن ندخل من الباب الذي دخل منه الصحابة إلى القرآن، فلا يكفي أن نكثر الختمات، ولا أن نجعل علاقتنا به علاقة تلاوة فقط، بل علاقة استهداء واستمداد. أن نبحث في القرآن عن أوامر نسير بها، لا عن أصوات نُحسِّن بها أحزاننا فقط.

وأول خطوة في هذا الطريق: تحرير الغاية.

أن تسأل بصدق: لماذا أنا هنا؟

والقرآن لا يتركك في حيرة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

العبادة ليست شعائر فقط، بل امتثال. أن تكون حيث يريدك الله، كما يريدك الله.

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: 115].

لا عبث في الوجود، ولا صدفة في موقعك، ولا فراغ في دورك.

القرآن يجيبك عن الأسئلة الكبرى: من أين جئت؟ إلى أين المصير؟ جئت من آدم، وآدم من تراب. لست نتاج عبثٍ أعمى، ولا سلالة حيوان. ومصيرك إلى الله:

﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

ومن هنا يحسم القرآن معركة الدنيا والآخرة:

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: 18]،

﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: 19].

القرآن لا يتركك تهبط، بل يرفعك. يريدك أن تتطلع إلى الأعلى، لا أن تُسجَن في الدُّون.

ثم تأتي الخطوة الثانية: الاعتزاز بهذا الإيمان.

اعتزاز لا كِبر فيه، بل كرامة.

﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

علو بالإيمان، لا بالعرق، ولا بالجنس، ولا بالمال.

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

هذا الاعتزاز يظهر، لا يُخفى. الإسلام لا يُعتذر عنه.

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8].

وإظهار الهوية في ذاته دعوة. لأن الثبات يوقظ الأسئلة، والأسئلة تقود إلى الحقيقة.

القرآن كذلك يبني جسور الانتماء. لا يتركك فريسة للانتماءات الضيقة. أنت لست ابن جغرافيا فقط، ولا ابن حضارة ميتة، بل ابن قافلة ممتدة من آدم إلى محمد .

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.

من هم؟

﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69].

هذا الانتماء يحررك من أسر الجاهلية، ويمنحك هوية واضحة.

﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: 161].

وأخيرًا، يحررك القرآن من تعليق الدين على الأشخاص. الرسل مبلغون، لا آلهة.

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 144].

المسيرة لا تتوقف بموت قائد. الراية لا تسقط بسقوط حاملها. وهذا سر بقاء هذه الأمة.

ولهذا قال أبو بكر كلمته الخالدة: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبدالله فإن الله حي لا يموت.

هذا هو الوعي القرآني: عبودية لا تنكسر، ومسيرة لا تتوقف، وجيل يُربَّى على القرآن لا ليحمله، بل ليحمله القرآن.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق