هل تجاوز ابن تيمية المذاهب

4 دقائق
3 شعبان 1447 (22-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

لم يكن الجدل حول شيخ الإسلام ابن تيمية جدلًا علميًا خالصًا في كثير من أطواره، بقدر ما كان مرآةً لصراع أوسع في العقل الإسلامي حول المنهج وحدود الاجتهاد ومعنى الانتساب للمذاهب وكيفية التعامل مع التراث حين يتداخل فيه القطعي بالظني والمقدّس بالبشري.

فالسؤال الذي يتكرر دائمًا: هل تجاوز ابن تيمية المذاهب الأربعة؟ وهل أسّس ما يُسمّى اليوم «فقه الدليل» بمعناه المتداول؟

والحقيقة أن هذا السؤال، بصيغته الشائعة، يحمل في داخله قدرًا من التبسيط المخلّ، بل والظلم أحيانًا.

ابن تيمية لم يكن رجلًا خارج السياق العلمي، ولا مغامرًا يقتحم النصوص من فراغ. كان يميّز بوضوح بين من امتلك أدوات النظر والاجتهاد، وبين من يرفع شعار «الدليل» وهو أعزل من الملكات العلمية. الفارق بين الحالتين شاسع، والنتائج لا يمكن أن تكون واحدة. فليس كل من قال: «قال الله وقال الرسول» صار مجتهدًا، كما أن التجرؤ على النص بلا آلة علمية ليس فضيلة، بل آفة.

ولهذا لم يكن اعتراض ابن تيمية على المذاهب من حيث هي مدارس فقهية، بل على الجمود الذي يحوّلها من وسائل للفهم إلى غايات تُقدّس. وكان يرى – كما هو مقرّر عند أهل الأصول – أن المجتهد إذا أخطأ فهو مأجور، وأن الخطأ في الاجتهاد لا يساوي الإثم، بل هو من رحمة الله بعباده، كما دلّ عليه حديث النبي : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (رواه البخاري ومسلم).

ومن هنا تتضح عبارته الشهيرة، التي صدمت كثيرين: أنه ليس حنبليًّا بالمعنى العقدي الضيّق. لم يكن هذا تنكّرًا للإمام أحمد، بل وفاءً لروحه ومنهجه. فالإمام أحمد عنده ليس معصومًا، ولا قوله حجة لذاته، بل لأنه ناقل أمين للسنة، ومدافع عنها. ولو قال الإمام أحمد قولًا يخالف ما ثبت من الكتاب والسنة، لوجب ردّه، كما يُردّ قول غيره. وهذا المعنى قرّره الأئمة قبل ابن تيمية بقرون، حين قال الشافعي: «إذا صح الحديث فهو مذهبي».

بل إن ابن تيمية رأى أن موقف الإمام أحمد في محنة خلق القرآن فتح الباب واسعًا لأهل الحديث ليقتحموا المجال العقدي، لا بوصفه ساحة فلسفية مجرّدة، بل باعتباره ميدانًا لفهم النص والدفاع عنه. ومع ما عُرف عن أحمد من شدة الورع، فإن هذا الورع نفسه استُخدم لاحقًا للطعن في غيره، ممن أُكرهوا في الفتنة واضطروا للموافقة، فاتهموا بأن علمهم ساقط، وهو حكم جائر لا يستقيم مع مقاصد الشريعة.

ولذلك، حين حاول بعض القضاة أن ينقذوا ابن تيمية من السجن والقتل بأن ينسب نفسه صراحةً إلى مذهب الحنابلة في الاعتقاد، رفض هذا المخرج. قال بوضوح: لست على معتقد أحمد، بمعنى التقليد، بل على ما قام عليه الدليل. وحين اشتد عليه الضغط، وصرّح بأنه على مذهب الأشعري، لم يكن هذا تناقضًا، بل دقة في الفهم. فالأشعري الذي ينتسب إليه هو صاحب «الإبانة»، لا صاحب «أساس التقديس». وبين الكتابين هوّة لا يمكن ردمها. بل إن «الإبانة» أقرب إلى منهج أهل الحديث، وهو ما جعل ابن تيمية يثني على الأشعري، ويقول إنه أقرب إلى الحق من كثير من المتأخرين من الحنابلة أنفسهم، كابن الجوزي وابن عقيل.

أما التهم الكبرى التي لاحقته، من التجسيم، والقول بقدم العالم، وفناء النار، فهي في حقيقتها نماذج صارخة لسوء الفهم، أو سوء القصد.

في مسألة الصفات، كان ابن تيمية شديد الحساسية للمصطلحات. رفض أن يقال: «الله جسم» أو «ليس بجسم»، لا إثباتًا ولا نفيًا، لأن هذا اللفظ لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولأنه لفظ مجمل يحتمل معاني متعددة. والمتكلم إذا نطق بالمجمل وجب الاستفصال منه. فإن قصد بالجسم ما له طول وعرض وأجزاء، فهذا كفر ومعنى باطل. وإن قصد الوجود أو القيام بالنفس، فالمعنى صحيح، لكن اللفظ فاسد. وهنا تتضح قاعدته: ليس كل معنى صحيح يُعبّر عنه بأي لفظ.

وهذا المنهج ليس بدعة، بل هو امتداد لمنهج السلف في التعامل مع الألفاظ الحادثة. لكن الإشكال أن من يثبت الصفات يُتّهم بالتجسيم، ومن يؤوّلها يُتّهم بالتعطيل، ويبقى الميزان العادل هو الاحتكام إلى نصوص الوحي، لا إلى ردود الأفعال المذهبية.

أما مسألة قدم العالم، فالاتفاق منعقد بين أهل الأديان على أن الله خالق العالم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62].

لكن كيفية الخلق، وزمانه، وتفاصيله، مسائل اجتهادية. ابن تيمية لم يقل بقدم العالم على طريقة الفلاسفة، بل قال بما سمّاه «القدم النوعي»، وهو اجتهاد في تفسير الخلق، لا أصلًا عقديًا مستقلًا. وقد توقف كبار الأئمة في مثل هذه المسائل، كجالينوس الذي مدحه الرازي لتوقفه، ولو كانت المسألة كفرًا لكان التوقف فيها كفرًا.

وينسحب الأمر نفسه على تقسيم التوحيد. هذا التقسيم لم يدّعِ ابن تيمية أنه وحي، بل هو استقراء لنصوص الكتاب والسنة. له جذور عند السابقين، لكنه برز لأنه اعتنى به وكرّره. وهو تقسيم اجتهادي، لا معيار إيمان وكفر. وقد قال به علماء كبار من المتأخرين، كعبد الفتاح أبو غدة، ووهبة الزحيلي، فهل يُرمى هؤلاء بالجهل في العقيدة؟ أم أن المشكلة ليست في التقسيم، بل في التعصب؟

وأما مسألة فناء النار، فهي من أكثر القضايا التي أسيء استخدامها لتكفير الرجل. أولًا: لم يثبت عنه قول صريح قطعي بذلك. وثانيًا: حتى لو ثبت، فهل هو قول مكفّر؟ وهل لم يقل به أحد قبله؟ بل نُقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثر في هذا المعنى، مع الخلاف في صحته. ثم إن منهج أهل العلم في التعامل مع الأقوال المشكلة هو الجمع، والتحقيق، والنظر في السياق، لا اقتناص العبارات لإسقاط الأشخاص.

لقد اعتذر العلماء لغير ابن تيمية في أقوال أشد إشكالًا. اعتذروا للجويني في قوله إن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، واعتذروا للشعراني، وابن عربي، بل تمنى المازري لو محا بعض العبارات من كتب الجويني بدمه. فلماذا يُفتح باب الاعتذار هنا، ويُغلق هناك؟ ولماذا يُحمَل كلام ابن تيمية على أسوأ محامله دائمًا؟

إن قراءة تراث ابن تيمية -كما غيره- تحتاج إلى عدل، لا إلى خصومة. تحتاج إلى عقل علمي، لا إلى منطق تصفية الحسابات. فهو ليس نبيًا معصومًا، ولا شيطانًا ضالًا، بل عالم اجتهد، فأصاب وأخطأ، وبقي أثره حاضرًا، لأنه كان صادقًا مع النص، شجاعًا في السؤال، رافضًا للكسل الفكري. وهذا وحده كافٍ ليجعل الإنصاف فيه واجبًا، لا خيارًا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق