بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
لا أدري بأي لسان أكتب وأنا لا زلت غير مصدِّقٍ للخبر لولا تأكده، فقبل ستة أيام فقط، يوم الثلاثاء الماضي (28 جمادى الأولى 1447ه) دُعيت للقائه مع بعض الأفاضل، وكنت حينها منهمكًا في أشغالي وأبحاثي، لكن شيئًا ما جعلني أبادر بتلبية الدعوة دون تفكير، وبحق تركت كل ما بين يديَّ وتوجَّهت للقاء، وكان هذا هو لقائي الأول به وما دريت أنه سيكون الأخير كذلك، لم يطُل اللقاء وما تعدى بضع دقائق أفدتُ فيها من سمته وحاله ما لم أفده في سنوات من الكتب والبحث.
لفت نظري أول ما لقيته وسلَّمت عليه قولُه لي: (كيف حالك يا ابني؟)، كان وقعها رقيقًا عجيبًا، وما إن جلسنا حتى طرح بعض المسائل من علوم القرآن، وتناقشنا، فما كان منه إلا كل ترحيب وقبول بل وإكبار لما أقوله وهو مخالفٌ لرأيه، وهذا خُلُقٌ ضَنَّ الزمان بمثله.
انتقلنا إلى مسكنه، فبدأ يذكرنا بالموت وكيف أننا غافلون عنه، ثم انغمر في كلام كله تعبير عن حبه لله سبحانه، وشوقٍ إلى لقائه تعالى، حتى كان مما قال: (طفت الدنيا كلها وأنا أبحث عن ملك الموت، ولئن جاءني الآن لأقولن له قد تأخرت كثيرًا)، ثم يقول: (والله يقول:”اقرأ كتابك”وأنا أقول يا رب قد قرأت كتابي وحكَّمته وأعرف ما فيه من قصور وليس لي إلا أن تعفو عني)، ثم بدأ يتذكر قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه}، ويتذكر كيف صدق كعب بن مالك رضي الله عنه فتاب الله عليه، ثم يتذكر صنيع أبي لبابة -رضي الله عنه- حين أفشى سِرًّا لرسول الله ثم ربط نفسه بسارية المسجد طارحًا نفسه بين يدي الله سبحانه بلا أكل ولا شرب حتى تاب الله عليه ولم يقبل أن يفكه أحد إلا رسول الله، ثم يستحضر الأخ الأكبر ليوسف عليه السلام حين بقي مكانه بعد أن كبرت المصيبة وقال لإخوته: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي}!
ثم استأذنَّاه وسلَّمنا عليه، وقبَّلت رأسه، وفاجأني بصنيع آخر عند توديعه لم أعهده من أحد أبدًا، وجدته يقبِّل صدري ويقول: (هذه قُبلة من قلبي إلى قلبك)، ثم غادرنا وأرواحنا والله مفعمة بالإيمان، وأحسب أنه قد عرف الطريق وبلغ الغاية، والله يرحم حالنا ويدلنا عليه سبحانه!
وقبل قليل بلغني خبر وفاته، وهو الشيخ اليماني المهندس/ (محمد المقرمي)، بعد زيارته للحبيب ﷺ بالمدينة، ثم اعتمر، وتوجَّه إلى جدة حيث وافاه ملك الموت هناك كما كان يؤمِّل ويرجو ويتسعد له كل لحظة، ليلقى ربًّا رحيمًا. ووالله أشعر كأنني كنت ولا أزال في حلم ما استفقت منه بعد، وأحسب الشيخ من الصادقين وأولياء الله الصالحين، فالله أسأل أن يتغمده برحمته وأن يجمعنا به في الجنة مع الأنبياء والصحابة والصالحين.