بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إنَّ خيرَ الكلام كلامُ الله تعالى، وخير الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ظلالة في النار.
معاشر المؤمنين الكرام: عندما يتأمَّلُ المسلمُ في واقعه، ويتفكرُ في أحوال مجتمعه، فسيرى عالمًا سيطرت عليه المادية بشكلٍ مخيف، ويرى أنّ الكثير قد تساهلوا في جمع الأموال من أيِّ طريقٍ كان، ما بين غشٍ وتدليسٍ واختلاسات، ومن يستمرأ الرشاوي والهدايا والهبات، ومن يستغلُ المنصب والصلاحيات، ويزور في القضايا والمعاملات، ويتحايلُ على القوانين وأنظمة المخالفات، ومن يتلاعب بالوثائق والمستندات، ويزوّر أعذارَ الغياب والإجازات، ومن يأكلُ أموالَ اليتامى والقاصرات، إلى غير ذلك من صور الغش وخيانة الأمانات.
عالمٌ يصدق فيهم قول المصطفى ﷺ: "يَأْتي علَى النَّاسِ زَمانٌ لا يُبالِي المَرْءُ ما أخَذَ منه؛ أمِنَ الحَلالِ أمْ مِنَ الحَرامِ". والحديث في البخاري. ولا عجب يا عباد الله، فإذا ضعُف الإيمان، وقلَّ الخوف من الله تعالى، وأُمِنت العقوبة، زادت الجرأةُ على الظلم والإجرام، وأكلِ المال الحرام. ففي صحيح البخاري، قال ﷺ: "فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ".
أداءُ الأمانات يا عباد الله، مطلبٌ ربانيٌ واجب، وفرضٌ إلاهيٌ لازم، يقولُ اللهُ تعالى في محكم كتابه: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.
وفي الحديث الصحيح: قال أَنَسٌ رضي الله عنهُ: قَلَّمَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ قَالَ: "لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ". والأمانةُ خلقٌ أصيل، ومسلكٌ نبيل، وصفَ اللهُ جلَّ وعلا بها صفوةَ ملائكتهِ ورسله، فقد وصفَ اللهُ بها جبريلُ عليه السلام، فقال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ}.
وقال عن كليمه موسَى عليهِ الصلاة والسلام: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ}، وقال عن نبيه هودٌ عليه السلام: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}، وقال عن نبيه الكريم يوسفَ عليه الصلاة والسلام: {إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}. واشتُهرَ بها رسولنا الكريم ﷺ حتى لقبهُ قومهُ بالصادق الأمين. وما من نبيٍّ إلا ويقولُ لقومه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ • فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ}.
ونصَّ الله تعالى في مطلع سورةِ المؤمنين على أنَّ الأمانةَ من ألزم صفاتِ المؤمنين المفلحينَ، فقال جلَّ وعلا: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}، ثم قال عنهم: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، وختمَ السياقَ الكريم بذكر جزاءهم فقال: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ • الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
والأمانة هي أوُّلُ ما يُفقدُ من الدينِ، قال ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا تَفقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الأَمَانَةَ".
وقال عليه الصلاة والسلام: "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". وما هي الأمانة إخوة الإيمان، الأمانةُ هي أداءُ الحقوقِ الواجبةِ على الوجه المطلوب، وهي تشملُ كلّ ما يجِبُ على الانسان من مسؤولياتٍ وواجباتٍ تجاه ربهِ ومجتمعهِ وأهلهِ ونفسه.
في صحيح البخاري: "أَلا كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإِمامُ الذي علَى النَّاسِ راعٍ وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِهِ، وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى أهْلِ بَيْتِ زَوْجِها، ووَلَدِهِ وهي مَسْئُولَةٌ عنْهمْ، وعَبْدُ الرَّجُلِ راعٍ علَى مالِ سَيِّدِهِ وهو مَسْئُولٌ عنْه، ألا فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ".
وفي الحديث الصحيح: "لا تزولَ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عُمُرِهِ فيمَ أفناهُ، وعن علمِهِ فيمَ فعلَ فيهِ، وعن مالِهِ مِن أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ". وكُلَّ عَمَلٍ مِن أَمرِ العَامَّةِ يتولاه المَرءُ، فَإِنَّمَا هُوَ تَكلِيفٌ وليس بتَشرِيف، وَمَسؤُولِيَّةٌ كبيرةٌ سيسألُ عنها، وَأَمَانَةٌ ثقيلة يجِبِ عليه أَن يَرعَاها حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَأن يَعدِلَ فِيهَا وَيَنصَحَ لها.
قَالَ ﷺ: "مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً فَلَم يُحِطْهَا بِنصحَه إِلاَّ لم يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَقَالَ ﷺ: "مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ" والحديث مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، المالُ العَامُّ هو كُلُّ مَا يَشتَرِكُ النَّاسُ في الانتِفَاعِ بِهِ، سواءً كان نَقدًا أوَ أُجُورًا، أَو أَبنِيَةً وَدُورًا، أَو طُرُقًا وَجُسُورًا، أَو مُؤَسَّسَاتِ خدمية، أَو جَمعِيَّاتٍ خيرية، أَو غَيرِها مِن المَرَافِقَ العَامَّة. فكلُّ هذا من الحَقّ العَامّ، والناس كلهم فِيهِ شُرَكَاءُ، وَمِن ثَمَّ فَلَيسَ لأحدٍ أَن يَأخُذَ مِنهُ شَيئًا فَوقَ حَقِّهِ، وَإِلاَّ كَانَ خائنًا للأمانة، مستحقًا للعقوبة. أَجَل أَيُّهَا المُسلِمُونَ، المال العَامُّ مِلكٌ لِلكُلِّ، وَالقَائِمُونَ عَلَيهِ دورُهم أن يَجتَهِدُوا في حِفظِهِ ورعايته، وَأن يَراعَوا المَصلَحَةَ في صَرفِهِ لِمُستَحِقِّيهِ وَأَهلِهِ، وَلا يَحِلُّ لأَيّ أحَدٍ مِنهم أَن يستغلهُ لمصلحتهِ الشخصية، بأيّ صورةٍ غير نظامية، قَالَ اللهُ تَعَالى: {وَمَن يَغلُلْ يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفسٍ مَا كَسَبَت وَهُم لا يُظلَمُونَ}، وفي صحيح مسلم، قَالَ ﷺ: "مَنِ استَعمَلنَاهُ مِنكُم عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخيَطًا فَمَا فَوقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأتي بِهِ يَومَ القِيَامَةِ".
وَفي صحيح البخاري، قَالَ ﷺ: "إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَةِ". وَمَعنى يَتَخَوَّضُونَ أَي يَتَصرَّفُونَ في مَالِ المُسلِمِينَ بما يضر بالمصلحة العامة.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، صُوَرُ التَّعَدِّي عَلَى المَالِ العَامِّ كَثِيرَةٌ، مِن أكثرها خفَاءً على النَّاسِ، الإهمالُ والتباطؤ وعَدَمُ إِتقَانِ العَمَلِ، وَإِضَاعَةُ الوَقتِ فيما لا يخدم المصلحة، وَالتَّرَبُّحُ مِن الوَظِيفَةِ وَاستِغلالُهَا لأَغرَاضٍ شَخصِيَّةٍ، إضافةُ إلى الاختِلاسِ والرِّشوَةِ، والمُجَامَلَةُ في إرساء المَشرُوعَاتِ لِشَخصٍ بِعَينِهِ، وَتَجَاهُلُ مَن هُوَ أَفضَلُ مِنهُ، أَو أَخذُ مَالٍ مُقَابِلَ تعجيل الخدمة أو تحسينها، وَمِن ذلك إساءة استعمال المُمتَلَكَاتِ العَامَّةِ والتسبب في إفسادها، وتقليل الانتفاع بها، أو استِعمَالهَا في غَيرِ مَا خُصِّصَت لَهُ.
أَلا فَلْنتَّقِ اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، فَإِنَّ الاعتِدَاءَ عَلَى المَالِ العَامِّ اعتِدَاءٌ عَلَى عُمُومِ المُسلِمِينَ، وسيكون الجميع خصم له يوم القيامة. وفي الحديث الصحيح: "لا يَدْخُلُ الجنةَ لحمٌ نبت من السُّحْتِ، وفي رواية كلُّ لحمِ نبت من السُّحتِ؛ فالنارُ أوْلَى به".
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون}.
اتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَاب}.
معاشر المؤمنين الكرام: بِمُنَاسَبَةِ الحَدِيثِ عَن حِفظِ المَالِ العَامِّ، فَإِنَّ مِمَّا يُحمَدُ لِوُلاةِ أَمرِنَا وفقهم الله لكل خير، أَن أَنشَؤُوا هَيئَةً مُستَقِلَّةً لِمُتَابَعَةِ مَن يَتَوَلَّى شَيئًا مِنَ المَسؤُولِيَّةِ، للتأكد من قيامه بها على الوجه المطلوب؛ وردعًا لضعاف النفوس من العبث والاختلاس، بما في ذلك المُؤَسَّسَاتِ الإغاثية وَالجَمعِيَّاتِ الخَيرِيَّةِ، فالزمت الجمعيات والمؤسسات الاغاثية أَن يَكُونَ لديها ميزانيةً موثقة، ومُحَاسِبٌ متخصصٌ يُتَابِعُ ويدققُ مَا يَرِدُ إِلَيهَا، وَمَا يَصدُرُ عَنهَا، كما أُلزِمت أَن تَأتيَ بِشَهَادَةٍ مُعتمدةٍ مِن مكاتب مُحَاسَبِيَّةٍ مخولةٍ لتُثبِتُ مِصدَاقِيَّة النفقات ومطابقتها للميزانية، كما أنّ الجِهَة المُشرِفَة عَلَى المُؤَسَّسَاتِ الخَيرِيَّةِ تنظم جَولاتٍ مَيدَانِيَّةً عشوائية، تُتَابِعُ فِيهَا أَعمَالَ تِلكَ المُؤسَّسَاتِ، وَتَتَأَكَّدُ مِن مَشرُوعِيَّةِ مَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا وَأَوجُهِ الإِنفَاقِ فِيهَا، كُلَّ ذَلِكَ لِيَكُونَ المُتَبَرِّعُونَ وَالمُنفِقُونَ وَفَاعِلُو الخَيرِ عَلَى ثِقَةٍ بِأَنَّ أَموَالَهُم في أَيدٍ أَمِينَةٍ، وَأَنَّهَا تَصِلُ إِلى مُستَحِقِّيهَا، وَمَعَ هَذَا فَمَا زَالَ هناك من يَخرُجُ عَلَى النَّاسِ بَينَ الحِين وَالآخَر ليَهرِفَ بِمَا لا يَعرِفُ، وَيَتَّهِمُ المُؤَسَّسَاتِ الخَيرِيَّةَ والقائمين عليها اتِّهَامَاتٍ بَاطِلَةً، تشوهُ صورتهم، وتطعنُ في أمانتهم، فويل لهم مما كتبته أيديهم، وما قالته ألسنتهم، وما نشرته حِساباتهم عبر وسائل التواصل.
وَلَو أَنَّهُم تَأَمَّلُوا وتثبتوا لَعَلِمُوا أَنَّ اتِّهَامَ العَامِلِينَ في مَجَالاتِ الخَيرِ، هُوَ في حَقِيقَتِهِ دَعوَةٌ لِلبُخلِ وَالشُّحِّ، وَحِرمَانٌ لِلمُحتَاجِينَ من حقهم، وَقطعٌ لاستِفَادَتِهِم مِن عَطَاءِ إِخوَانِهِم مِن أَهلِ الخير. فَيا لَيتَ كُلَّ مَن كفَّ يدهُ، وبخِلَ بِعَطَاءه، أن يَكَفُّ لِسَانَهُ عن تعطيلِ الخير، وتشويه سمعة الأبرياء، ونَشرِ الاشاعات والاتِّهَامَاتِ البَاطِلَة، والتي لا مَصدَرَ لَهَا إِلاَّ سَمِعنَا وَيَقُولُونَ، لِيَبُوءَ بِدَعوَةِ مَظلُومٍ أو محرومٍ يجدُ غِبها وَلَو بَعدَ حِينٍ.
فَلْنَتَّقِ اللهَ يا عباد الله، وَلْنَحفَظْ أَلسِنَتَنَا عَنِ اتِّهَامِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَمَنِ اطَّلَعَ عَلَى شَيءٍ مِن فَسَادٍ وَتَأَكَّدَ مِنهُ، فَعَلَيهِ أَن يَقصِدَ القَنَوَاتِ الرَّسمِيَّةَ وَيُبَلِّغَ عَنِ المُفسِدِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، وَأَمَّا نَقلُ الكَلامِ دُونَ تَثَبُّتٍ وَلا بَيِّنَةٍ، فَهُوَ ذَنبٌ عَظِيمٌ، وسيُسأل كُلَّ امرِئٍ عَمَّا قَالَ، وَرُبَّ كَلِمَة زورٍ ظالمِة أوردت صَاحِبِهَا النَّارَ، في الحديث الصحيح، قَالَ ﷺ: "مَن قَالَ في مُؤمِنٍ مَا لَيسَ فِيهِ أَسكَنَهُ اللهُ رَدغَةَ الخَبَالِ حَتى يَخرُجَ مِمَّا قَالَ، وَلَيسَ بِخَارِجٍ".
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: المُجتَمَعَ سَفِينَةٌ واحدة، وَالحَيَاةُ لا تستقيمُ إلا بتعاون الجميع وأمانتِهم، وكُلُّ تَسَاهُلٍ مِن أيِّ مَسؤُولٍ عَلا شَأنُهُ أَو نَزَلَ، فَإِنَّمَا هُوَ ثُلمَةٌ في بِنَاءِ المجتمع وخرقٌ لسفينته. وَمَالم يَتَعَاوَنْ كُلُّ مَن في السَّفِينَةِ عَلَى حِفظِهَا وصيانتها، فمآلها الغرق، وحينها سيعم الهَلاك الصَالح وَالطَالِح.
فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على أماناتكم، فإنَّ خيانةَ الأمانةِ وتضييعها، وصمةُ عارٍ مشينة، ولُطخةُ ذُلٍّ مُهينةٍ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، وأي عارٍ ومهانةٍ أشنعُ من أن يُشهَّرَ بالخائن يومَ القيامة على رؤوس الخلائق، ففي الحديث المتفق عليه:”لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَومَ القِيامَةِ يُعْرَفُ بهِ". وأيُّ خيبةٍ وخَسارةٍ أعظمَ من أن يكونَ المسلمُ معدودًا في المنافقين.
ففي صحيح البخاريُّ ومسلمٌ، قال عليه الصلاة والسلام: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".
اللَّهُمَّ إِنّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ.
ويا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.