التوبة حقيقتها وشروطها وآثارها في إصلاح الفرد والأمة

12 دقيقة
22 شعبان 1447 (10-02-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يُعدّ الخطأ سمةً ملازمة للطبيعة البشرية، إذ جُبل الإنسان على الضعف وسرعة التأثر بدوافع الهوى والشهوة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ النساء:28.
ومن رحمة الله تعالى بعباده، وعلمه بضعفهم وعجزهم، أنه لم يتركهم هملًا بعد الوقوع في الزلل، بل فتح لهم باب الرجوع والإنابة إليه، وهو باب التوبة،ومن رحمته أنه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

مفهوم التوبة وحقيقتها:

التوبة لغة وشرعًا: التوبة في اللغة مأخوذة من مادة (تاب)، ومعناها الرجوع.
أما في الاصطلاح الشرعي فهي: الرجوع عن الذنب إلى الطاعة، وعن المعصية إلى الامتثال.

وهي: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار (1).

والتوبة من أعظم العبادات، وأجل المقامات، ولا يعرف قدرها ومعناها إلا القليل، فهي غاية كل مؤمن يسعى لإرضاء ربه في هذه الحياة.

عرّفها ابن القيم رحمه الله بقوله:

*التَّوْبَةُ هِيَ الرُّجُوعُ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِلَى مَا يُحِبُّهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهَا الْإِسْلَامُ، وَالْإِيمَانُ، وَالْإِحْسَانُ، وَتَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمَقَامَاتِ، وَلِهَذَا كَانَتْ غَايَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَبِدَايَةَ الْأَمْرِ وَخَاتِمَتَهُ… وَهِيَ الْغَايَةُ الَّتِي وُجِدَ لِأَجْلِهَا الْخَلْقُ، وَالْأَمْرُ وَالتَّوْحِيدُ جُزْءٌ مِنْهَا، بَلْ هُوَ جُزْؤُهَا الْأَعْظَمُ الَّذِي عَلَيْهِ بِنَاؤُهَا.وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ قَدْرَ التَّوْبَةِ وَلَا حَقِيقَتَهَا، فَضْلًا عَنِ الْقِيَامِ بِهَا عِلْمًا وَعَمَلًا* (2).

ويتضح من هذا التعريف أن التوبة مفهوم شامل يدخل فيه الإسلام والإيمان والإحسان، ولا تقتصر على ترك الذنب فحسب، بل تشمل تصحيح المسار كله.

معاني التوبة في القرآن الكريم:

وردت للتوبة معانٍ متعددة في النصوص الشرعية، منها:

التوبة: الرجوع إلى الله.

الإنابة: الرجوع مع الإقبال والخضوع.

الأوبة: الرجوع المتكرر بعد الذنب.

قال تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ المائدة:39.

وقال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ الرعد:27.

وقال تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ الإسراء:25.

فضل التوبة وسعة بابها:

شمولية التوبة وسعتها:

من رحمته تعالى أن جعل باب التوبة مفتوح لكل أصناف الناس المسلم والكافر، العاصي والمطيع الملحد والمنافق، شارب الخمر والزاني بل حتى قائم الليل وصائم النهار، وقارىء القرآن، فهي للناس كافة.

من القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ سورة الزمر53.

ومن السنة:

أخرج مسلم يسنده عن الأغر المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلى الله واستغفروه فَإِنِّي أتُوبُ في اليومِ مائة َمرةٍ" أخرجه مسلم.

فكل الناس خطاؤون وخير الخطائين التوابون.

وحتى الذين اتقوا الله من الناس فلم يعصوه بترك واجب ولا بفعل محرم، وإن أذنبوا تابوا فورًا، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَآل عمران-135 ، لم يصروا: أي يسارعون إلى التوبة، لأن الإصرار هو الشد على الشيء والربط عليه، فهم يطمحون إلى الأفضل والأحسن.

والتوبة تكون من الله على العبد وتكون من العبد إلى الله، فإذا كانت من العبد إلى الله عديت (بإلى)،وإذا كانت من الله إلى العبد عديت (بعلى).

يقول سبحانه تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ النساء:17.

وقال سبحانه: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًاالفرقان71 .

شروط التوبة النصوح:

اتفق العلماء على أن للتوبة شروطًا لا تصح إلا بها، وهي:

الإقلاع عن الذنب فورا.

الندم عليه، وكلما كانت التوبة صادقة كان الندم أشد.

العزم على عدم العودة إلى الذنب أبدا.

قبل أن يحضر الموت، ومعاينة الملك، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ النساء: 18، وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ اللهَ يَقبَلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ" أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.

أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: "مَنْ تابَ قبلَ أنْ تطْلُعَ الشمسُ مِنْ مَغْرِبِها، تابَ اللهُ عليْهِ" أخرجه مسلم.

وإذا كان الذنب في حق إنسان فلقبولها شرط يضاف إلى الشروط السابقة:(أن يؤدي لصاحب الحق حقه، أو يحصل على مسامحته وعفوه من غير إكراه).

وإن تعذر عليه استرضاء أصحاب الحقوق، وصدق في توبته، سأل الله أن يتولى عنه إرضائهم، وحين يعلم الله صدق توبته وعجزه عن تأدية الحقوق إلى أهلها، فإن الله يتولى عنه يوم القيامة إرضائهم ويغفر له) (3).

وإذا توفرت هذه الشروط مع الإخلاص لله تعالى، وابتغاء مرضاته كانت توبة نصوحا، ولقد نادى الله الذين آمنوا أن يتوبوا توبة نصوحا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ التحريم:8.

نماذج التوبة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية:

توبة الأنبياء عليهم السلام:

أول من تاب أبونا آدم وأمنا حواء حين قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأعراف: 23.

وتاب موسى، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ﴾:143

وأناب داود إلى ربه: داود عليه السَّلام: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ص: 24 .

وثبت في الصحيحين أنه كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واللَّهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إلَيْهِ في اليَومِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً" أخرجه البخاري.

وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّه لَيُغانُ على قَلبي، وإنِّي لَأستَغفِرُ اللهَ في كُلِّ يَومٍ مِئةَ مَرَّةٍ" أخرجه مسلم.

قال العلماء: "إنه ليغان على قلبي" أصل الغيْنُ في اللغة الغَيْم، ويراد من الغين الذي يعتري القلوب: الحُجُب الرقيقة المعنوية التي تغشاها، فيجعلها تفتر عن مراقبة الله وذكره، فيكون الاستغفار صارفا لهذه الحجب التي تشبه السحب، ويكون بمثابة جلاء للقلوب، وعندئذ تستقبل القلوب أنوار الله دون أن يكون بينها وبينها حُجب تحجبها.

﴿مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الأعراف. توبة الرسول من هذا المستوى، التي تكسبه زيادة في القرب، وارتقاء في درجات المرتبة العليا، وعليها يحمل قوله تعالى:

﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ التوبة 117 (4)

إذا كان هذا حال الأنبياء مع ربهم، فكيف يجب أن يكون حالنا؟

نماذج من السنة النبوية:

المرأة الجهنية التي أقيم عليها الحد:

أخرج مسلم بسنده عَنْ أبي نُجَيْد عِمْرانَ بْنِ الحُصيْنِ الخُزاعيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ امْرأَةً مِنْ جُهينةَ أَتَت رَسُولَ الله ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فقَالَتْ: يَا رسول الله أَصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ الله ﷺ وَليَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إِليْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُها، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فرُجِمتْ، ثُمَّ صلَّى عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ، قَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْن سبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المدِينَةِ لوسعتهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنفْسهَا للَّهِ؟" رواه مسلم.

لقد وصل صلاح نفسها وقلبها إلى درجة أنها فكرت وحاسبت نفسها اعترفت بذنبها، فجادت بنفسها لله، ابتغاء مرضاته، فاستحقت مغفرته، واستحقت ثناء النبي .

قصة قاتل المائة نفس:

من روائع القصص عن التوبة في الأمم السابقة ما أخبر به النبي لصحابته رضوان الله عنهم فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ إنْسانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ، فأتَى راهِبًا فَسَأَلَهُ فقالَ له: هلْ مِن تَوْبَةٍ؟ قالَ: لا، فَقَتَلَهُ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ، فقالَ له رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذا وكَذا، فأدْرَكَهُ المَوْتُ، فَناءَ بصَدْرِهِ نَحْوَها، فاخْتَصَمَتْ فيه مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ، فأوْحَى اللَّهُ إلى هذِه أنْ تَقَرَّبِي، وأَوْحَى اللَّهُ إلى هذِه أنْ تَباعَدِي، وقالَ: قِيسُوا ما بيْنَهُما، فَوُجِدَ إلى هذِه أقْرَبَ بشِبْرٍ، فَغُفِرَ له" أخرجه البخاري.

ففي الحديث: بعث روح الأمل في المذنب وعدم يأسه من رحمة الله، الفتوى التي لا تصدر عن علم راسخ تجرؤ على الله، ضرورة هجرة البيئة الفاسدة الموبوءة التي لا يطيقها التائب توبة نصوحا إلى الله، ولا تصلح للبقاء فيها، لأن المجتمع الصالح يعين على الاستقامة والصلاح.

المثالان يبينان فاعلية الإنسان المؤمن الذي يسعى بالارتقاء بنفسه إلى مستويات الكمال.

إن أبواب التوبة لا تغلق في وجوه الخاطئين، ولا يطردون من المجتمع، بل يقبلون ولا يعيَّرون بخطيئتهم التي أقلعوا عنها، ولا يُتعرض لهم بالملام بعد التوبة.

لابد من نبذ ثقافة اليأس والقنوط مهما أسرف الإنسان على نفسه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ سورة الزمر53.

فرح الله تعالى بتوبة عبده:

هل يفرح الله بالتوبة والأوبة إليه؟

كتب الله على نفسه الرحمة أنه كل من سقط عن جهالة وتاب وأرفق ذلك بإصلاح واستقامة فإنه يتوب عليه ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ الأنعام:54.

وإذا أقبل العبد المذنب بقلبه وكل جوارحه غير متلاعب ولا كذاب تقبله وفرح به وعفا عنه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ الشورى 25..

ولقد وصف النبي فرحة الله تعالى بتوبة عبده وأوبته إليه وصفا رائعا:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاَةٍ". وفي رواية: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، وقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح"أخرجه مسلم.

اتساع مفهوم الذنب وضرورة التوبة اليومي:

مفهوم الذنب:

إن الكثير من الناس لا يفهم المعنى العميق للتوبة، و يجهلون منظومة الذنوب الواسعة،ويصغِّرون دائرتها،ولايدركون حقيقتها، يعتقدون بأن الذنوب والمعاصي التي تستوجب التوبة تقتصر فقط على ذنوب خاصة كالزنا أو شرب الخمر أو السرقة، أوعقوق الوالدين، ولا يخطر على بالهم أن هناك ذنوبا نرتكبها يوميا لا تستقيم الحياة،ولا تقام عمارة الدنيا إلا بالتخلي عنها والتوبة منها، فهم لا يحاسبون أنفسهم، و يتعالون على كل من يذكرهم. وقبل أن أتطرق لبعض الذنوب، فالأجدر فهم معنى الذنب؟

الذنب: كل عمل مخالف للشريعة يتبعه نوع من الجزاء الدنيوي او الاخروي، وقد يسمى خطيئة، أو إثما، أو سيئة أو معصية.

وبناءً عليه، فإن الذنوب لا تقتصر على الكبائر الظاهرة، بل تشمل التقصير في الواجبات، وسوء السلوكيات اليومية، وكلها تحتاج إلى توبة، وتصحيح.

نماذج من الذنوب اليومية:

تعالوا بنا نحصي بعض السلوكيات اليومية التي نجهل خطورتها، تعرقل ارتقائنا إلى مقامات أعلى خُلقيا، وإيمانيا، واجتماعيا، للأسف لا نلقى لها وزنا.

تضييع الأوقات دون إدارة واستثمار وإنتاج في ذرع الطرقات والجلوس في المقاهي أو التجول في الأسواق دون قصد، أو الجلوس أمام الشاشات، وقضاء الساعات الطوال مع الهواتف، الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ سورة العصر 2 .

عدم إتقان الأعمال، والبلوغ بها إلى درجة الإحسان، ونحن نقرأ قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الملك-2. إن الله تعالى يبتلينا في هذه الحياة ليُظهر إحساننا في أعمالنا وإتقانها، وأنه تعالى يحب الإتقان في الحديث الشريف: "إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ" أخرجه الطبراني، والبيهقي.

إهمال المسؤوليات، والواجبات والطاعات والتقصير في أداء المهام الملقاة على عواتقنا.

الخمول والكسل الذي قيد عقول الأفراد وأيديهم عن الإبداع والعطاء، ومما ينسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: (إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة).

عدم الصدق في المواعيد مع الله ومع أنفسنا ومع الناس.

عدم الاهتمام بنظافة شوارعنا وأزقة مدننا، العيش بالفوضى واللامبالاة.

التقصير في المسؤوليات الأسرية باهمالنا لتربية الأبناء تربية صحيحة، والتقصير في المسؤوليات الإجتماعية.

وهذه كلها مما يحتاج إلى توبة وإصلاح، لأن التوبة عملية تغيير مستمرة وتجديد فعال للتصرفات، والسلوكيات الخاطئة في الحياة وتوجيهها نحو الأحسن، وعدم التمادي في الانحراف والابتعاد عن السبيل الصحيح.

التوبة وأثرها في إصلاح الأمة:

التوبة الجماعية في القرآن الكريم:

تتبادر إلى الأذهان توبة الأفراد، أما توبة الأمم فقَل أن تخطر بالبال، وإن سنة الله في عفوه عن الأفراد هي نفسها في عفوه عن الأمم. (5)

يذكر القرآن الكريم دعوة الأنبياء أقوامهم إلى التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله.

دعوة هود عليه السلام: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ هود(52).

دعا صالح قومه: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾هود:61.

دعا شعيب عليه السلام: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ سورة هود90.

كل الأنبياء يدعون أقوامهم إلى التوبة الشاملة: من الشرك، من الاستكبار والظلم والبطر، ومن الانغماس في الفساد والمنكرات وغيرها، فهي دعوة للإصلاح الديني والاجتماعي، وعلى كافة الأصعدة، وإحداث التغيير بالاستقامة، والعودة إلى الطريق الصحيح.

نموذج قرآني لأمة تابت:

إنها أمة نبي الله يونس عليه السلام قال تعالى عن تلك الأمة: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ يونس: 98.

قال المفسرون: *إن قوم يونس عليه السلام هم قرية نينوى من أرض الموصل في العراق، وقد بعث الله إليهم نبيَّه يونس عليه السلام حيث دعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، فرفضوا ذلك واستمروا على كفرهم وشركهم وعصيانهم ورفضهم لرسالة يونس عليه السلام.

حذرهم يونس عليه السلام من وقوع العذاب بهم وحلوله في ديارهم، عندها شعروا بمغبَّة إعراضهم وكفرهم وعصيانهم، ورأوا أن العذاب واقع بهم لا محالة، وفقدوا نبي الله يونس عليه السلام، فقذف الله في قلوبهم التوبة، فقاموا على الفور، وفرَّقوا بين كل أنثى وولدها، وخرجوا بأولادهم ومواشيهم وهم رافعون أيديهم يجأرون إلى الله تعالى بالدعاء، وطلب كشف العذاب عنهم، وصدقوا مع الله تعالى في توبتهم، عندها تفضل الكريم الرحيم بقبول توبتهم، ورفع العذاب عنهم، وأخَّرهم إلى أجل محدود، ورفع الله عنهم ذلك العذاب المحقق لما صدقوا في توبتهم، وآمنوا بالله تعالى وحده لا شريك له، واستسلموا لدينه، واستمعوا إلى نصح نبي الله يونس عليه السلام، وحققوا ما دلهم عليه من الإيمان بالله والتوحيد والصلاح والهداية، قال جل جلاله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ يونس: 98 .

وهي الأمة الوحيدة التي نفعها إيمانها بعد معاينة العذاب، فرفع الله عنها العقوبة، فاستمتعوا بالحياة الدنيا إلى حين وفاتهم.

مما تتوب أمة الحبيب ؟

لقد حل بأمتنا من المصائب والفتن ما يعلمه القاصي والداني، لابتعادها عن طريق الهداية التي جاء بها القرآن، وعن نهج االرسول الكريم صلى الله عليه وسلم القويم، فهي تعيش حياة تعيسة فكريا اقتصاديا، و تعاني من حالة وهن شديد، لذلك فهي بحاجة ماسة إلى الرجوع إلى الله وتتوب توبة عامة شاملة لكل ميادين الحياة، استجابة لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور:31. وفلاحها لا يتحقق إلا بالتوبة، وعودتها إلى الخيرية التي وصفها الله بها في كتابه.

التوبة من نزعات التعصب المقيت، والتشتت البغيض الذي يسود أوطانها، والاختلاف في الآراء، والتحزب الفكري، والتقليد الأعمى، والكبر والعجب بالرأي، والانشغال بالعيوب، وتصيد العثرات للعلماء والمصلحين ….﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الأنفال:46.

التوبة من التخلف الذي تعانيه على مختلف الأصعدة.

التوبة من الاستهلاك المجنون، ومن الإسراف والتبذير في المناسبات والأعراس. وإهدار الأموال في المهرجانات الغنائية، واللقاءات الرياضية التي لا تتوقف. وإنفاقها في الكماليات التي تنقص الحياة ولا تزيد فيها المؤدية إلى الإفقار، ومن الترف المهلك للأمم، قال الشيخ البشير الإبراهيمي:(إن أمة تنفق مئات الملايين في الشهر على القهوة والدخان، وتنفق مثلها على المحرمات، وتنفق مثلها على البدع الضارة، وتنفق أمثال ذلك كله على الكماليات التي تنقص الحياة، ولا تزيد فيها، ثم تدعي الفقر إذا دعاها داعي العلم لما يحييها - لأمة كاذبة على الله، سفيهة في تصرفاتها). (6)

التوبة من الاغترار بالغرب إلى حد التقليد الأعمى في اللباس والمظهر، وموالاة أهل الباطل والضلال من اليهود والنصارى وغيرهم.

توبة المؤمنين رجالا ونساء من الفساد الخلقي، بغض الأبصار وستر العورات في الشوارع والمؤسسات التعليمية قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ النور30 ، وقال تعالى:﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . النور:31.

توبة إعلامنا من نشر الأكاذيب وإشاعة الفساد والرذيلة في المجتمعات إلى تبني إعلام هادف يصلح الناس، ويذيع قيم الخير والعفة والحياء.

التوبة من التبعية الاقتصادية، ومن التبعية الفكرية والعمل على انتشال شبابنا من دعاوى الإلحاد، وسحبهم من السقوط في مزالق الضياع نتيجة انبهارهم بكل وافد مادي براق، مما يجعلهم يعيشون الاغتراب الحضاري والثقافي، فهم لا يعرفون عن الإسلام إلا العموميات، ويفتقدون في سلوكياتهم لأبسط المعاني.

التوبة من التثاقل إلى الأرض، وترك فريضة الجهاد وتحرير الناس من ظلم الظالمين وتسلط المتسلطين.

التوبة من التقصير في الدعوة إلى دين الله الإسلام العظيم، ودرء الشبهات المثارة حوله بأنه العنف والتطرف، إنما هو دين الرحمة والسماحة، والتوبة عن عدم الذود عن حياض الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنته.

ثمرات التوبة ووعد الاستخلاف:

لنتأمل هذه الآية الكريمة،قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ النور 55.

التوبة الصادقة للأمة تؤدي إلى:

الأمن بعد الخوف.

التمكين بعد الضعف.

الإصلاح بعد الفساد.

إن التوبة في الإسلام ليست مجرد فعل عابر، بل هي منهج حياة متكامل، تقوم عليه نهضة الأفراد والأمم، وأن الرجوع الصادق إلى الله، المقرون بالإصلاح والعمل، هو السبيل الأوحد لتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة.

اللهم تب علينا لنتوب، إنك أنت التواب الرحيم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

1. صالح السدلان، كتاب التوبة إلى الله،10

2. ابن القيم الجوزية،مدارج السالكين 313/1

3. عبدالرحمن حبنكة، الأخلاق الإسلامية وأسسها 1/683

4. مرجع سابق 684/1

5. محمد بن إبراهيم الحمد، التوبة وظيفة العمر 60

6. البشير الإبراهيمي، آثار الإمام البشير الإبراهيمي 2/437


مقالات ذات صلة


أضف تعليق