بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف، يوم الأحد: 21 من ذي الحجة 1447ه الموافق لـ 7 من يونيو 2026م:
• أفضلُ طريقة للقراءة إن تقرأ الكلامَ مِن غير إن تَسمع شَرْحَه أو تقرأ شَرْحَه، ثم تحاول أنت إن تَفهمَه وكأنك قرأتَ شَرْحَه، وتجتهد في ذلك، ثم تُراجِع شَرْحَه، وحينئذٍ تتبيَّن ما أصبْتَ وما لم تُصِبْ، وهذا تدريبٌ لعقلِك على الفَهْم مِن غير إن يكون هناك شارحٌ يَشرح لك.
• مسألةُ إن تنتظر شارحًا يَشرحُ لك هي مسألةٌ يجب إن تَختصِرَها في عُمرك اختصارًا شديدًا؛ حتى تَصِلَ إلى إن تَشرح أنت لنفسك، وأن تُبيِّن أنت لنفسك، ولا يَضِيرُك إن تُصيب وتُخطئ، اجتهدْ حتى يَكثُرَ صوابُك ويَقِلَّ خطؤك.
• ما دُمتَ عالةً على غيرِك؛ يُعلِّمُك ويُبيِّنُ لك، فلن تكون شيئًا، المطلوب إن تكوِّن لنفسك عقليةً علميةً، ولن يكوِّنها لك أحدٌ إلا أنت؛ باجتهادك، واستقلالك، وحرصك.
• العقليةُ العلميةُ هي التي تضبط أمور حياتنا؛ في سياستنا، وفي علومنا، وفي سَعْينا على الأرض.
• ظنِّي إن العقليةَ العلميةَ التي نَحرِصُ عليها، والتي بها تَعْمُر أرضُنا، وبضَياعِها تَضِيع أرضُنا = أقول: ظنِّي أنها هي الفطرةُ التي فطرَ اللهُ الناسَ عليها؛ لأن الفطرة إن العقلَ تُنقِّيه مما تعلَّق به مِن غير فِطرتِه وأفسدَ علينا فِطرتَنا.
• التفكيرُ يَفتح أبوابُا، والتفكيرُ ليس عسيرًا، التفكيرُ متاحٌ للجميع؛ فأنا أستطيع إن أفكِّر، وأنت تستطيع إن تفكِّر، والذي لا يفكِّر هو الذي أراد لنفسه ألَّا يفكِّر.
• عبدُ القاهر في «الرِّسالة الشَّافية» غيرُ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»: في «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» يستكشف قواعدَ، نبوغُه أنه لم يُضِفْ شيئًا، وإنما نبوغُه أنه لم يَفُتْه شيء، أنه استخرج ما استخرجه من كلام العرب، أمَّا في «الرِّسالة الشَّافية» فعلاجُ عمليةٍ عقلية، ومواجهةُ طرائق أهل الباطل في إقناع الناس بباطلهم. العقليةُ هي هي، لكنَّها عقليةٌ أجادت في كشف القواعد من الكلام، وتابعتْ تَزويرَ أهل الباطل وكيف يُقنعون أهلَ الحقِّ بالباطل.
• تعليقًا على عبارة خالد بن صَفْوان: «كيف نُجارِيهم؟ وإنَّما نَحْكِيهم»، قال شيخُنا: كلامُ خالد بن صفوان يردُّ ردًّا حاسمًا وساخرًا على من يَزعُم أنه جاء بعد عهد النُّبوة مَن كانوا أعلمَ بالبيان مِن الذين كانوا في عصر النُّبوة؛ فهي كلمةٌ قاطعةُ الدلالة - و«خالدٌ» مِن أهل البيان الذين يؤخَذ عنهم الكلام - في أنه لن يأتيَ بعد عهد النُّبوة مَن هو أفضلُ ممَّن كانوا في عهد النُّبوة، وهذه كلمةٌ قالها «خالد» وقالها «الجاحظ»، واتَّفقت الأمَّةُ عليها.
• الحقُّ الصحيحُ إن زمن النُّبوة كان ذِرْوةَ زمَنِ بيان العرب وذِرْوةَ زمَنِ تبيُّن العرب.
• أنا أشرحُ وأنا على يقينٍ مِن إن شرحي لم يَستوعب معنى الكلام الذي أقرؤه، وأجتهد في إن يكون شرحي مُستوعِبًا لِما أقرؤه ولكني لا أستطيع، ثم أقول: هذا مِن إكرام الله لي ولطلاب العلم؛ لأن الذي لم أتبيَّنه يَجب عليهم هم إن يتبيَّنوه، ويجب عليَّ إن أُضاعِف المجهودَ لأتبيَّنه.
• مُحفِّزًا حُضورَ الدرس لوَعْي كلام الإمام عبد القاهر، قال شيخُنا: اسمعْ جيدًا، اسمعْ سماعَ طالب العلم لا سماعَ المُغفَّل الذي لم يَجدْ له مكانًا فجاء يَجلس في مجلس العلم.
• العقلُ الجيدُ لا يُداخِلُه غُرور، وبمقدار ما في العقل مِن غُرور بمقدار ما فيه مِن جَهْل.
• يُدهشني أننا نتعلَّم فَضْلَ كلامٍ على كلامٍ مِن غير أهل الكلام؛ فالنَّقدُ غيرُ العربي نحن نَدْرُسه لبيان فضل كلامٍ عربيٍّ على كلامٍ عربيٍّ. يا سيِّدي، ادرسْ كلامَ الذين عرفوا فَضْلَ كلامٍ عربيٍّ على كلامٍ عربي.
• غِطاءُ العقل جعلَنا نَبلُغ هذا المبلغ؛ إن نتعلَّم نَقْدَنا بتَعلُّم نَقْدِ غيرِنا. أيُّ عَقلٍ يَقبل منك هذا؟!
• بلاغةُ العرب مِن كلام العرب، وبلاغةُ اليونان مِن كلام اليونان، و«أرسطو» يكتب في بلاغة اليونان؛ فلا صلةَ له ببلاغة العرب.
• تعليقًا على قول الإمام عبد القاهر: «أعني إن يَزعُموا أنهم كانوا عند أنفسِهم أفصحَ وأبلغَ من بُلغاء قريشٍ وخُطبائهم، وأن خطيبَهم كان أخْطبَ مِن قُسٍّ وسَحْبَان»، قال شيخُنا: لو أنك تُريد إن تتعلَّم فاقرأ هذا الكلامَ ولا تَدَعْ كلمةً قالها «قُسٌّ» وقالها «سَحْبَان» حتى تقرأها، واعلمْ إن خُطباءَ العرب وخُطباءَ قُريشٍ لا يجوز لك إن تَدَعَ شيئًا مِن كلامهم مِن غير إن تَحفظَه.
• نشأتُ في الأزمنة التي تقول للناس: «تكلَّموا بما نَعْلَم لا بما تَعْلَمون»، ثم وجدتُ إن الله — سبحانه وتعالى — يَحْكِي لنا كلامَ أعداء دِينه، وجعلنا نتعبَّد به ونُصلِّي به؛ فكأن الله — سبحانه وتعالى — ألغى كلَّ الحواجز أمام اللِّسان البشري، وأنه يَقول ما يَقول؛ فأحسستُ إن في هذا شيئًا مِن إكرام الله للإنسان، وهو إن يكون حُرَّ العقل طليقَ اللِّسان، وهو أنك حين تَقطع ألسنةَ الناس فكأنك تَقطع عقولَ الناس؛ فأحببتُ هذا المعنى في كتاب الله العزيز.
• أكرمني الله طولَ حياتي بأنه لا يَمرُّ يومٌ مِن غير إن أقرأ في المصحف، ولا يَمرُّ أكثرُ مِن شهرٍ مِن غير إن أختمَ المصحف.
• وجدتُ آياتٍ كثيرةً جدًّا تُحدِّث عن الله وعن دِين الله وعن كلام الله بما لا يَرضاه الله، ثم أنه — تعالى — لم يكتفِ بأن أتاح لهم إن يتحدَّثوا عن دينه بما لا يرضاه، وإنما جعل ذلك من العبادة، ولم يقل أحدٌ إنه لا يجوز لك إن تُصلِّي ب: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}، وب: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. إلخ؛ فأحسستُ بأن القرآن يُعطينا منهجًا، ويوجِّهنا إلى إن نترك العقلَ الإنسانيَّ حُرًّا، لكنَّ هذا العقلَ سيأتي يوم القيامة ويحاسَب على ما قاله.
• تعقيبًا على شرحه عبارةً للإمام عبد القاهر، قال شيخُنا: أُقسِم بالله؛ كلُّ الذي قلتُه أُحِسُّ أنه هامشٌ ضئيلٌ بالنسبة لهذا الكلام؛ لأنك حين تَقترب من الكلام تَجِدُ فيه أشياءَ كثيرة، أشياءَ تَستطيع إن تقولَها وأشياءَ لا تستطيع إن تقولَها.
• حين تأخذ كلامَ العلماء بظاهره لن تَصنع شيئًا ولن تُربِّيَ عقلًا، إنما حين تأخذُه بباطنه سيَصنع منك إنسانًا مختلفًا، ولن تتغيَّر الأرضُ إلا إذا تغيَّر الإنسان؛ فابدأْ بصناعة إنسانٍ جديدٍ تَجِدْ أرضًا جديدة، وتَجِدْ صناعةً جديدة، وتَجِدْ طبًّا جديدًا، وتَجِدْ فقهًا جديدًا.
• تاريخُ العرب تاريخٌ عجيبٌ جدًّا: قُريشٌ أخرجتْ سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومَن آمَن معه وأذَتْه، ولكنَّ قريشًا هذه التي صَنعت أبشعَ ما يَصنعُه الناسُ هي التي دخلتْ في دين الله أفواجًا.
• أقرأ الآن في تفسير ابن كثير، وتفسيرُ ابن كثير في ذِهْننا أنه يفسِّر بالمأثور ويَجْمع لنا ما قِيل، وهذا جيدٌ جدًّا، ولكن حين عَرَفتُ أنه قُرشِيٌّ بدأتُ ألتفِتُ إليه أكثر.
• حين كنت أعمل في البلاد العربية، وأجِدُ قرشيًّا مُنحرفًا — ومعنى الانحراف عندي إن يَدعُو إلى الاشتغال بعلوم الآخرين — أقولُ له إذْ خَلَوْتُ به: كيف تَقبلُ هذا وأنت من قريش، والله خَلقَ الخَلْقَ واختار منهم العرب، ثم اختار من العرب قريشًا، ثم اختار من قريش بني هاشم. إلخ؟!
• أُحِبُّ آل بيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهذا أمرٌ مُسلَّمٌ به، وليس لي فيه فضيلة؛ لأن الله أودع حُبَّهم في قلوب أهل الإيمان، ولكنِّي إذا وجدتُ مَن يُنسَب إلى بني هاشم وهو مُنحرفٌ لا أُطِيق إن أَراه، وإذا وجدتُ مِن بني هاشمٍ المُستقيمَ يَصير عندي كأنه نَبيٌّ لم يُوحَ إليه.