بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الإنصاف والموضوعية وعدم الانحياز من التقوى.
{ولا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام إن تعتدوا}.
{ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}.
الآيتان مذكورتان في سورة المائدة لجمع المفاهيم وتقريبها للذهن بلفتة واحدة.
في الآية الاولى وضح للمسلم إن لا يتعدى ويتجاوز حدود الحق باسم الدين، حتى لو كان الشخص سبب في صده عن اقامة الشعائر.
وفي الآية الثانية قرر فيها الشرع إن الانصاف والموضوعية حتى للاشخاص المكروهين من قبلك هو علامة اقتراب من التقوى، لان الانحياز مؤشر لبداية الانحراف والتزوير وسلوك مسالكه في القول والعمل والنية.
إن عواقب (نظرية الانحياز الخفي) يظهرها القرآن بوضوح من خلال هذه الآية فالانحياز يبدا بنكتة سوداء في القلب (شنان) ثم يتحول إلى عداوة في الفعل ثم تبرير للظلم باسم (الغضب لله) أو (النصرة للمذهب) فجاء الأمر الالهي (اعدلوا) ليقطع الطريق على آلية التدرج النفسي من الكراهية إلى الظلم.
والعدل أساس الأمن فعندما تنحاز جماعة لطائفة باسم الدين أو المصلحة تنهار الثقة ويبنى الصراع على التهميش أما حين تلتزم بالعدل مع المحب والمبغض فهذا هو الذي يبقي المجتمع متماسكا (فأقرب للتقوى) تعني إن العدل هو الجسر الأسرع الذي يوصل إلى الاستقرار الاجتماعي.
البعد الروحي:
لم يقل الحق (اعدلوا لأنه واجب) بل ربطها بالتقوى فقال: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} أي إن العدل ليس مجرد اجراء قانوني يتخذه القانونيين بل هو طريق تدريجي لتربية الروح على خشية الله فكل موقف تلتزم فيه بالإنصاف وأنت غاضب يقربك درجة من التقوى لأنك تخاف إن تهضم حق أحدهم.
ضرورة فقهية:
العدل في القول والشهادة والقضاء والفعل مع البر والفاجر، المسلم والكافر، الصديق والعدو، ولا يجوز إن يكون الحق سببا للخروج عن شرع الله ولو كان الخصم كافرا أو ظالما، العدل أولى من النصرة الطائفية أو العاطفية.
خلاصة القول:
إن العدل مع من تخالف واجبا وضرورة فقهية وعلاجا نفسيا للانحياز الخفي وعمادا للأمن الاجتماعي واستقراره ومدرسة روحية لصفاء النفس وتربيتها على التقوى ومعراج هذا القلب إلى الله الذي أمر بالعدل والتقوى.