بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
لم يترك المنهج النبوي الإنسان حائرًا أو مكبلًا بالخوف أمام حقيقة العقاب الأخروي وغيبيات الجحيم، بل رسم له إستراتيجية عملية واضحة تعتمد على الصلة الدائمة بالخالق والالتجاء إليه كملاذ آمن، وتتمثل هذه الإستراتيجية في مسارين رئيسيين يعيدان صياغة الوعي اليومي للإنسان، في تجلٍ واضح لرحمة الله الفائقة؛ إذ جعل ثمن النجاة من هذا الخَطَر العظيم كلمات يسيرة يلهج بها اللسان، مما يؤكد إن المنظومة التشريعية لم تُوضع لإعنات البشر، بل لفتح أبواب النجاة لهم بأيسر السبل.
ويقوم أول هذين المسارين على مبدأ التدريب النفسي والتذكير اليومي المستمر، فقد أوردت الآثار النبوية إن سؤال الله الجنة ثلاثًا، والاستعاذة من النار ثلاثًا، سببٌ في إن تطلب هذه المخلوقات الغيبية من الله الشفاعة للمؤمن، حيث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يسأل الله الجنة ثلاثًا إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا يستجير جارٌ من النار ثلاث مرات إلا قالت النار: اللهم أجرْه من النار"، وهي صياغة لفظية تكرارية تهدف إلى غرس الهدف الأسمى في الوعي الباطن للإنسان في غدوه ورواحه بلسان الامتنان والشكر حين يقول: (اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى من الجنة)، ويستعيذ قريرًا: (اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار).
أما المسار الثاني فيتجلى كحصن حصين في توقيتين حرجين من اليوم؛ عند انبثاق الفجر وعند أفول الشمس في المغرب، حيث يوجه الهدي النبوي المرء إلى اغتنام لحظة السكون وعظيم الفائدة التي تلي الصلاة مباشرة، فقبل إن يغير المصلي هيئته ويتحرك من مكانه، وقبل إن يختلط بضجيج الحياة وصخب البشر، ينبغي له إن يطلق استعاذته سبع مرات قائلًا: "اللهم أجرني من النار"، ليكون هذا الذكر بمثابة سياج روحي يحميه طوال يومه وليلته بفضل من الله وجود.
إن الأيام في رحلتها السريعة ما هي إلا أنفاس تُعد، وأعمار تُطوى، والعاقل الحق هو من لا يركن إلى أماني الدنيا الزائفة، بل يجعل من خوفه من النار دافعًا للبناء، ومن رجائه في الجنة منارة للعمل، فالنجاة ليست أمنية تُنال بالتمني، بل هي وعي يبدأ باللسان المستغفر المقر بالفضل، ويمتد إلى الجوارح العاملة، وينتهي بقلب سليم يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه.