الحقيقة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

من ذا يشقّ سدول الليل بلا استئذان!

ويداري الهمسة والنأمة

ويواري تحت مآقيه حلم اليقظان!

فيحرك أجفان العَتَمَة

يحدوه خطو مكدود كالصخر ثقيل

هوَ، لولا نظرة عزم في عينيه، عليل

يتململ فوق فراش الصمت بغير نعاس

ويظل يداجي الليل، لأن الليل طويل

ويحاول كتم اللهفة والإحساس

* * *

من ذاك الناجي من صحراء اليأس!

المُفلِتُ من تابوت الضعف، شديد البأس

ما زال له في اللّجة مجذاف وشراع

وفؤاد لم يُرهبه صراع

كم أفنى فوق الدرب شموع فداء!

كمك هزّ لليل داج من قنديل!

قنديل فيه، من عزم، زيت وفتيل

لينير بإصرار الإيمان طريق رجاء

* * *

لم يهدر الليل بأن الحلم عنيد

أحياه السهد، لأن السهد أبيد

هو حلم لم تحضنه ليال

أو يهجع فوق جناح خيال

لم يعرف تهويل الأحلام

أو تُذهب جدّته الأيام

ما عاد يريق دموع شقاء

تغشاها أطياف الأحزان

أو تمسحها كفّ السّلوان

صدق الإيمان فجرّد سيف إباء

وتحجّر ماء العين بعزته القعساء

فالدمعة لا تجري من صخرٍ, أو صوّان!

ما عاد يخال اليوم الداجي بعض هزيع

ويظن بأنّ قتاد الوعد زهور ربيع

أو يحسب أنّ الطين الآسن طيب عبير

أو يحلم أن سراب الأمس شراب نمير

* * *

الأفعى ما زالت في المهد

في القلب... لتحسن عدّ النبض

ولتصبح من أنفاس الأرض

ونشارِكَنا في المهد الغالي حتى اللحد

ما زالت تملك سمّ الفتك وناب الغدر

ما زالت تسترخي في الصدر

ولها الإبرام وحقّ النّقض

وترى في الغدر طريق المجد

كم تهوى زيف القول وتعشق أنواعه!

كي تتقن إرضاء الطاوي أو إخضاعه!

أعطته لقمة إلهاءِ تتلو لقمة

فعساه يبتلع النقمة

أعطته سماً تخفيه قطرات الشهد

لا يملك، من جوع طاغٍ,، إلا الطاعة

كم ومضة برق لا يتلوها إلا الرعد!

ومراجل حقد تحت ملامح خداعة!

ووعيد يكمن مجبولاً بفتات الوعد!

فالجائع يصنع من وهم تصبيرة جوع

فيخال السمّ بطيب الشهد أطايب قوت

تَخِمَت أذناه، فاستغنى... بوعود رجوع

فتهاوى يشكو من تخمٍ, ضارٍ,.. ليموت

* * *

ما أقسى أن ينهار الحصن بغير قتال

وتغادر أحجار كلمى أيدي الأطفال

وتنوح غمودٌ أبكاها ذلّ الفولاذ

وتصير مهاوي السفح لنسرٍ, خير ملاذ

لكن... سنقيم وإن صرنا ذرات رمال

أو صرنا أنقاضاً تغفو بين الأطلال

أوَ ليس التٌّرب لزهر الروضة أصلَ نماء!

أوَ ليس من الصخر المنتقضِّ يقام بناء!

ما أحلى أن تسعى في المرج صحاب الأمس!

وتؤوب طيور مزجورة

لوكورٍ, كانت مهجورة

وتتيه الأرض بعطفيها من لثمة فأس

ويقبّل شطّ ممراحٌ أقدام الأهل

وتُفيق زهور قد أغفت في حضن السهل

* * *

كم قيل بأن الواقع نور!

ينسينا الظلمة والدَّيجور

فالفجر الواعد خيرٌ لا يجحد

والسّلوى، إذ ننسى الماضي، تحمد

يكفينا أن تجتثّ عداء دهور

أو تطفئَ، بالنسيان، لهيب صدور

وتكحل أهداباً كانت تدمى

لكن... ماذا يجني الأعمى

من كحل باغٍ, أو مرود!

ما حظّ المبصر من نعمى

من نور مصنوع... أسود!

* * *

النّور الخادع يسعى حراً في الظلمات

دفاقّاً وثاباً كالسيل

كي يوقظ كل هزيع في أحضان الليل

لم تثبت في وجه الغازي إلا غيمات!

وبقية جمع من نجمات!

وصفوف ظلت من خيمات!

نهدت أطواداً شامخة تتحدى الويل!

* * *

وانقض الزحف فحطمّ أقفال الألباب

واحتل دهاليز الأفكار

فتخير موضعه المختار

لم يلق سوى آيات البهجة والترحاب

وثغوراً ضاءت بالبسمات

وتكاد تغني بالكلمات

وكأن الماضي مرّ مرور سحاب

وكأن البلوى كانت بعض سراب

* * *

وتمادى زحف النور لتنحني الهامات

ولتقصر أطول القامات

ويتيه النور بأن الماضي... مات

فالماضي مسجون مدفون

في كهف منسيّ كالرمس

ما زالت تبحثُ عنه الشمس

وأدوه وقالوا: مغرورٌ لاهٍ, مأفون

ويعيش على سخفٍ, يدعى مجد الأسلاف!

ويغالي في تقليد السادة والشراف!

لم يبقوا نافذة في الكهف، ولا كوة

لكن الميت الحيَّ عزيز النفس

ما زالت في عينيه ظبى أسياف

مازالت في الجسد الذاوي بقيا قوّة

تكفي لتحطم هذا الكهف

كي ينجو من أنياب الحتف

ويعود إلى الدنيا مرفوع الرأس

* * *

الفجر الكاذب قد يزري بخيال ضرير

وغباءِ غرير

وضلال بصير

لكن.. لن يخدع، بالتشويق، فؤادَ أريب

أو يطمس، بالتزوير البخس، ذكاء لبيب

أو يعبث، بالتهويل الغثّ، بعقلِ نجيب

فالعاقل يدري أن الفجر الحقّ..قريب

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply