الإسلام في نيوزيلندة (3)


 

بسم الله الرحمن الرحيم

في هذه الحلقة سوف نلج المجتمع النيوزيلندي، ونلقي بنظرة سريعة إلى حال المسلمين في نيوزيلندةº لنجد أن 8.5% من الرجال المسلمين ليس لهم مصدر دخل خاص بهم، و65.4% منهم يعملون في الأعمال اليدوية، و17.8% مهنيون حيث يمكنهم أن يكسبوا أكثر من 30.000 دولار نيوزيلندي سنوياً.

أما فيما يتعلق بالنساء فإنه ليس هناك دخل خاص لـ20% من النساء المسلمات، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أنهن يعشن على إحسان برامج الرعاية الاجتماعية مثل كثير من أصحاب الدخول المنخفضة في نيوزيلندة، بل إنهن - بدلاً من ذلك -، وتمشياً مع خلفياتهن الثقافية سعيدات بعملهن في بيوتهن.

وتكسب 61.3% من النساء المسلمات العاملات أقل من 30.000 دولار نيوزيلندي سنوياً, وقد يرجع ذلك إلى تدني مؤهلاتهن الأكاديمية، أو لأنهن يفضلن العمل في وظائف لا تحتاج إلى تفرغ كي يخصص أغلب وقتهن لالتزاماتهن الأسرية، وتتعدد وتتنوع المشكلات التي تواجهها المرأة المسلمة حالياً في نيوزيلندا ومن ثم الأسرة، حيث تعتبر المرأة المحور الرئيس للأسرة، ومن أهم هذه المشكلات مشكلة الحفاظ على الهوية الدينية في المجتمع، والمعاناة من التميز العنصري ضدهن، ومن التقارير الإعلامية المتحيزة، ومعاناة أخرى من جانب تجنب الأطعمة المحرمة، والعثور على الزواج الملائم.

وإذا كان النساء من الجيل الأول اللاتي قدمن إلى نيوزيلندا في الأربعينيات والخمسينيات يعانين الوحدة والفراغ الممل والانعزالية، حيث إنهن يقمن في مزارع نائية، ولا أنيس ولا جليس لهنº لأن أزواجهن يعملون منذ الفجر وحتى غروب الشمس في المزارعº فإن هناك عدد من المشكلات بالنسبة للجيل الثاني من المسلمات، تدور حول عقبة التوفيق بين تعاليم الإسلام وبين التوجهات التي يتعلمنها في المدارس، فالمقررات الدراسية تقوي فيهن النزعة الفردية، وتجعلها بلا ضوابط أخلاقية أو دينية، ويؤدي ذلك بالبنات أحياناً إلى عصيان الوالدين اللذين يعتبران متخلفين في نظر الصغار.

ورغم كل هذه التحديات فإن مستقبل النساء المسلمات في نيوزيلندة يبدو أفضل من الماضي، حيث تمكنت مجموعة من النساء المسلمات من عقد مؤتمر سنوي للمرأة المسلمة يتم تنظيمه على مستوى البلاد، وتعقد اجتماعات أسبوعية في المراكز المحلية، كما يتم تنظيم مخيمات شبابية للفتيات توفر رافداً لزيادة المعرفة الإسلامية، ومناقشة المشكلات الملحة، وكل هذا من شأنه تعميق الإحساس بالهوية الإسلامية.

وتبقى بعد ذلك قضية اختيار الزى المدرسي الملائم للفتيات، وتوفير أماكن لهن لأداء الصلاة في حينها في المدارس، إذ لا وجود حتى الآن لمثل هذه الأماكن.

وقد برزت بعض الفتيات المسلمات وتفوقن وحققن مراكز متقدمة في المدارس والجامعات، ومع هذا التفوق في التعليم العلماني نلاحظ كثافة جهود بعض الشابات المسلمات في المجال الديني قد بدأ في الظهور والتمييز، ولعل ذلك يكون سبباً في النهوض بمستوى الأسرة المسلمة في نيوزيلندة.

ولا تزال الأسرة الوحدة الرئيسة للمجتمعات وخاصة الإسلامية، والكل يدرك مدى المخاطر الكثيرة التي تحيق بالأسرة المسلمة مما يهددها بالسقوط كما سقطت الأسرة في مجتمعات كثيرة في الغرب والشرق، والمطلع على أوضاع المسلمين في نيوزلندة يدرك هذا الخطر القادم ومن علاماته:

· الفجوة الكبيرة بين الأجيال الكبيرة والشابة.

· شبه غياب الشباب والجيل الجديد عن أنشطة المراكز الإسلامية.

· تمرد الأبناء على الآباء، وهروب بعضهم من البيت, وتعاطي بعض الشباب المخدرات، واتخاذ صديقات غير مسلمات والعكس بالعكسº بداية ظهور تفكك الأسرة خصوصاً إذا كان الأب خارج البلد أو الأب والأم مشغولان طول الوقت، لذلك لا بد أن يكون من أولويات العمل الإسلامي في هذا البلد هو الاهتمام بالأسرة عن طريق مؤسسات مختصة تقوم برعاية كل أفراد الأسرة من الناحية الإيمانية والاجتماعية، والتعليمية والترفيهية، والصحية والنفسية، ويتم ذلك عن طريق:

· المساعدة على نمو الأطفال وتربيتهم، وتدريب الآباء و الأمهات على ذلك.

· الاهتمام بالمراهقة، وتوفير أفضل فرص للمراهقين.

· تنمية الحب بين الزوجين، والدفء العائلي.

· صحة الأبناء، والإرشاد النفسي والاجتماعي.

· ترسيخ معنى القدوة في حياة الشباب المسلم، ودراسة حياة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -.

· توعية الأبناء بأهمية بر الوالدين وطاعتهم.

ولا بد من مساعدة هذه الأسر المسلمة على الحفاظ على هويتها الإسلامية، وفي نفس الوقت الانسجام مع المجتمع المحلي بما يحفظ أفرادها كمسلمين.

ويجب أن يكون للمؤسسات المحلية التي يمكن أن تدعم الأسرة المسلمة كالمساجد والجمعيات والمراكز الإسلامية دور إلى جانب المؤسسات المختصة، وبالفعل لدينا نموذج لعمل إيجابي ممثلاً فيما يسمى بيوم المسجد المفتوح - الذي ولدت فكرته منذ عام 1998م -, ولا يزال عدد المساجد المشاركة فيه يزداد عاماً بعد عام، حتى تجاوز عددها 12 مسجد, حيث أصبح يوم المسجد المفتوح مَعلَماً من معالم الانفتاح والتواصل مع المجتمع النيوزلندي، وخلال هذا اليوم من كل عام تفتح المساجد أبوابها لاستقبال الزائرين وفق برنامج يتضمن: التعريف بالإسلام، ومناقشة قضية حيوية, وقد أصبح وسيلة رائدة في مجال الدعوة والتبليغ، والحوار والانفتاح في المجتمع النيوزيلندي، ومن أهم المواضيع والقضايا التي يركِّز عليها يوم المسجد المفتوح على سبيل المثال "قضية المسلمون في قلب المجتمع"، ويراد من هذا الشعار إبراز أن المسلمين جزء لا يتجزأ من المجتمع النيوزلندي، وقد أثبتوا خلال عشرات السنين أنهم ملتزمون بسائر واجباتهم تجاهه، وأنهم بالمقابل يطالبون بموقعهم اللائق بهم في قلب هذا المجتمع، وينطبق ذلك على بناء مساجدهم ومؤسساتهم الاجتماعية في وسط المدن، كما ينطبق على ضرورة تمكينهم من التمتع بحقوقهم، وتعالج المساجد بالإضافة إلى الموضوع الرئيسي سائر مواضيع الدعوة بالتعريف بالإسلام وأسسه، والسلوك الإسلامي، والمشكلات الحية في محيط كل مسجد.

وأصبح يوم المسجد المفتوح بفضل اللَّه - عزَّ وجلَّ - حدثاً اجتماعياً عاماً تغطي محطات التلفاز والإذاعة أخباره وفعالياته في نشراتها الرئيسية، وبرامجها المتعددة, ويقوم المسئولون بزيارة المساجد في محيطهم، ويتحدثون عنه في خطاباتهم كمعلم هام من معالم الانفتاح والحوار والتبادل الحضاري.

وشهد يوم المسجد المفتوح عام 2005م نجاحاً فائقاً حيث زار حوالي ألف زائر المساجد في ذلك اليوم, ولم يقل الاهتمام بهذه الفعالية بعد سبتمبر 2001م، بل استمر سيل الزوار للمساجد عام 2002م, وكذلك لاقى يوم المسجد المفتوح نفس النجاح عام 2006م.

وتتسع دائرة اهتمامات يوم المسجد المفتوح لتشمل شرائح المجتمع المختلفة كالمثقفين والعمال، وأساتذة الجامعات والموظفون، والنساء والرجال، والسياسيون والصحفيون، والنصارى والملحدون، وطلبة المدارس والأطفال، ويرد إلى المساجد يومها القساوسة والراهبات كل بزيه المميز.

وهكذا يتضح لدينا ما يقوم به المسجد من دور بناء كأحد المؤسسات والصروح الإسلامية الرائدة في تحريك المياه الراكدة، ودفع عجلة نمو المجتمع الإسلامي في نيوزيلندة.

وإلى الملتقى في الحلقة القادمة - إن شاء الله - لنكمل التجوال بين أرجاء المجتمع النيوزيلندي لنتفقد أحوال المسلمين هناك.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply