الفكر الاستشراقي وأثره على الدعوة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مما لا شك فيه أن الاستشراق منذ نشأته في أوروبا القرون الوسطى قد عمل جاهداً على مقاومة الدعوة الإسلامية، وهدم قيم الإسلام وأسسه الفكرية وذلك عن طريق تشويه صورة الإسلام بمفتريات وأكاذيب تمجها الآذان، وتتقزز منها المشاعر، وكانت معظم هذه المفتريات تنصب بالدرجة الأولى على شخصية نبي الإسلام محمد - صلى الله عليه وسلم - بسبب يقين المستشرقين بأنه - صلى الله عليه وسلم - يمثل الأساس في الرسالة الإسلامية، إذ إنه هو الذي بلغ الإسلام عن الله، وامتثله في نفسه، وكوَّن أمة عظيمة على عاتقه، فإذا استطاعوا إلقاء أغشية على شخصيته فإن ذلك سيكفل لهم عدم انتشار رسالته، ثم إدخال كثير من الريب والشكوك في قلوب الذين اتبعوه وآمنوه به.

ومن ثمَّ قالوا عن نبي الإسلام الطاهر، الصادق، الأمين، بأنه كان رديء الولادة والسمعة، وأنه عاش بربرياً بين برابرة، وثنياً بين وثنيين، وأنه تعلم ما نشره من الدين من راهب فر إلى الجزيرة العربية واسمه "سيرجونز" الذي اعتقد محمد أنه الملك (جبريل)، وأنه كان ذا شهوات جامحة، متعجرفاً في الحياة، وأنه قبل الوفاة حاول أن يعمِّد نفسه ولكن الشياطين منعته من ذلك!! وعندما مات أكلته الخنازير التي تعتبر من الحيوانات القذرة.

بالإضافة إلى هذه الادعاءات الكاذبة التي افتراها مستشرقوا القرون الوسطى على أعظم شخصية في التاريخ، وأكثرها عفة وطهراً، اخترع المستشرقون مفتريات أخرى حاولوا أن يصِمُوا بها أقدس جماعة بشرية في التاريخ كله وهم الصحابة الكرام، وكذلك المسلمين بصورة عامة، فقد قالوا عن الصحابة بأنهم: (زمرة من منتهكي الحرمات المقدسة، وقطاع الطرق والسالبين، والقتلة واللصوص)، وقالوا عن المسلمين بصورة عامة بأن سبب إسلامهم:

1- إما أنهم خدعوا بالشيطان بسبب سذاجتهم.

2- أو حذوا حذو أقربائهم ولو قاد ذلك إلى الخطأ.

3- أو للحصول على المنافع المادية.

وقالوا عن المسلمين أيضاً بأنهم يعبدون محمداً في المساجد، وأنهم شعوب ينتمون أساساً إلى السيف.

أما عن الإسلام فقد قالوا عنه بأنه: (مجموعة من العقائد المسيحية، واليهودية، والوثنية)، وأن العنف من مكوناته، وأنه لا يقبل الخلاف العقلاني، وأنه رمز للتعصب واللا إنسانية، وأنه منبع المبالغات والانحرافات في أنظمة الفكر.

وقالوا عن القرآن الكريم بأنه غير منطقي، وغير معزز بالمعجزات.

هذه بعض النماذج من الإفك الأثيم الذي أنتجه الفكر الاستشراقي، وروجه في عرض العالم الغربي وطوله منذ العصور الوسطى، وإذا كان هذا الإفك الاستشراقي لم ينجح في طمس معالم الإسلام وزعزعة أركانه إلا أنه نجح إلى حد كبير في وقف أو على الأقل إبطاء انتشاره في العالم الغربي المسيحي على وجه الخصوص، إذ إن الإنسان الغربي كلما كانت تطرق إذنه لفظة الإٍ,سلام أو ما أسموه بـ (المحمدية) فإن تلك الصور البشعة والمرعبة كانت تتمثل أمام ناظريه، فيفر من الإسلام فرار الظبي من الأسد، ولا شك أن كثيراً من هذه الصور لا تزال عالقة في العقل الأوروبي إلى اليوم، مما يجعله ينظر إلى الإسلام بكثير من الشك والريب والتوجس.

 

انعطافة في الفكر الاستشراقي:

وإذا كان استشراق القرون الوسطى قد مارس هذا النوع المخزي من الهجوم ضد الإسلام بهدف حماية المسيحيين من التأثير الإسلامي - بسبب ما كان يجسده في تلك الفترة من قوة تبشيرية عارمة -، ثم محاولة جعل المسلمين يعتنقون الإسلام، فإن الاستشراق في نهاية القرون الوسطى قد أخذ ينحو منحى أخر، فقد أصبح الأوروبيون أكثر تقدماً في مجال الفلسفة، والطب، والعلوم الأخرى بعد أن كان المسلمون أساتذتهم فيها، وبدا لهم أن تحويل المسلمين عن دينهم لكي يعتنقوا المسيحية بهذا الأسلوب العنيف شيء مستحيل.

من هنا أصبحت تلك الخطابات الاستشراقية العنيفة في طور الانحدار والأفول، لتتخذ مكانها ممارسات استشراقية أقل عنفاً، وأكثر ذكاء، ولعل عصر النهضة قد قدم للاستشراق آليات جديدة لممارسة المماحكات الهجومية المخفية والمختبئة خلف الجهاز الأكاديمي الثقيل، فقد قدم عصر النهضة التقنيات الفيلولوجية التي تم بلورتها من أجل دراسة النصوص اللاتينية والإغريقية والعبرية، كما قدم أنواعاً أخرى من المناهج في مجال البحث والدراسة، والتي من أهمها منهج البحث التاريخي الذي تبلورت صورته الغربية على حساب خروج الغرب كلياً من الدوغماتية الدينية (ولم يخرج منها فقط بعض الأفراد أو بعض التيارات وإنما مجمل الأوساط العلمية بمن فيهم أعضاؤها المؤمنون أنفسهم)، لقد انخرطوا جميعاً على طريق البحث الذي يحيد تدخل الله في التاريخ، ومسيرة المجتمعات، وآليات مسيرتها، فأصبحوا يدرسون النصوص والقصص المقدسة عن طريق استبعاد أية سببية غير السببية المرتكزة على القوانين المشتركة لحركية المجتمعات البشرية، أي أن دراسة الدين أصحبت تتم بعيداً عن فكرة الوحي، بل باعتبار أنه ظاهرة من الظواهر الاجتماعية التي تولدت بسبب عوامل اجتماعية وتاريخية.

 

الاستشراق الحاضر:

وإذا غضضنا الطرف عن الصورة الاستشراقية الماضية، ونظرنا إلى أيامنا الحاضرة فإننا نرى فيها منحى استشراقياً آخر للنيل من الإسلام وهدم أسسه، فكما هو معروف أن الاهتمام بالإسلام قد زاد في الغرب بصورة منقطعة النظير بعد الثورة الإيرانية عام 1979 ميلادي، فقد تكاثرت المقالات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وحملت معظمها في طياتها الغش والخداع والأخطاء، مما جعل المعلومات الخاطئة تنشر في كل مكان، وكما يقول مكسم رودنسون فإن: (مجمل صورة عالم الإسلام قد شوهت من خلال منظور مشوه إلى حد كبير)، والسبب في ذلك - على حد اعتقاد "مكسيم رودنسون" - هو التقدم الهائل في مجال وسائل الإعلام الجماهيري الذي استثار شهية الكثيرين لكي يكتبوا عن الإسلام والعالم الإسلامي على الرغم من أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء اكتساب الكفاءة العلمية التي تتطلب وقتاً طويلاً، وتحضيراً حقيقياً، وقد أطلق عليهم "رودنسون" بأنهم طفيليون (الذين يتطفلون على العلم تطفلاً، ويحدثونك موضوع الإٍ,سلام والعرب إلخ... وكأنهم عارفون).

وخلاصة القول أن الاستشراق سواء بصورته القديمة، أو الذي ظهر بعد عصر النهضة، أو ذلك الذي نعايشه اليوم عمل على تشويه الإسلام، وهدم مرتكزات المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية بصورة لا هوادة فيها، وقد اشترك في هذا العمل جيش عرمرم من المستشرقين الذين لا يسعني أن استثني منهم إلا عدداً ضئيلاً، وحتى أولئك الذين أعدوا المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، وألفاظ القرآن، وأولئك الذين فهرسوا المخطوطات العربية، وحققوا كثيراً منها، وأظهروها إلى النورº نكون مخطئين إذا اعتبرناهم ممن خدموا العلم، وأنهم أرادوا خدمة الإسلام والمسلمين بنية خالصة، لا والله لم يكونوا ممن يحملون مثل هذه الروح الخيرة التي يطيب لكثير منا أن يتصورها فيهم، بل إنهم عكس ذلك كانوا يريدون من خلال ما قاموا به من أعمال الفهرسة، وطباعة المخطوطات، وغيرها هو تسهيل عملية تداول الكتب الشرقية، وتيسير الاطلاع على محتوياتها، حتى يتمكن الرجل الغربي أن يستوعب الشرق، وينفذ إلى أعماقه بسهولة ويسر، هذا ما نتأكد منه من خلال ما قال "جون مول" عام 1841 ميلادي بأنه: (مهما كررنا وأعدنا فإننا لا نكرر بما فيه الكفاية أن طبع المخطوطات الشرقية الأهم هو الحاجة الأكبر والأكثر ضغطاً وإلحاحاً بالنسبة لدراساتنا، وبعد أن يكون العمل النقدي للعلماء قد مر على الأدبيات الشرقية، وبعد أن تكون الطباعة قد سهلت عملية تداول الكتب بعد ذلك فقط يمكن للعقل الأوروبي أن ينفذ فعلاً إلى أعماق الشرق)، وكذلك من خلال ما قاله المستشرق المعاصر "مكسيم رودنسون" عن الفهارس البيلوغرافية والجداول الإحصائية، والقواميس وكتب النحو وغيرها، والتي تعب المستشرقون الأوائل في إعدادها، يقول عنها: (إنه لتدريب طويل وصعب ويستحق الإعجاب على كل حال، فنحن الذين نصرف كل هذا الوقت والعناء لجمع المعلومات التفصيلية المتراكمة منذ مئة وخمسين عاماً في كتب متوافرة على طاولتنا، لا يمكننا إلا أن نشعر بالإعجاب والإكبار أمام "سيلفستر دوساسي" الذي كان مضطراً للبحث عنها في مخطوطات المكتبة الوطنية التي علاها الغبار، فهذه الكتب من تلك المخطوطات، ولولا جهود المستشرقين الأوائل لما توافرت لدينا جاهزة).

فالمجهود الاستشراقي المختص بالعالم الإسلامي إذن في مجملة - إلا ما شذ وندر - صرف ولا يزال يصرف في سبيل مقاومة الدعوة الإسلامية وتحييد العالم الإسلامي من مواكبة تطورات العصر وبنائه، وليس من شك في أن الاستشراق قد نجح في تحقيق بعض مستهدفاته على أصعدة مختلفة، فقد تمكن من جهة من إيقاف المد الإسلامي إلى الدول الغربية وذلك عن طريق ترويج تلك الصورة الشائبة عن الإسلام، والتي اقتنع بها الإنسان الغربي مع مرور الأيام، فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الإرث الفكري الذي ينقله كل جيل إلى الذي يليه دونما وعي، مما نجم عنه أن الإٍ,سلام أصبح أكثر الأديان كرهاً في المحيط الغربي، ومن جهة أخرى تمكن الاستشراق من زعزعة ثقة كثير من المسلمين بموثوقية مصادر دينهم، وبإخلاص نبيهم، وذلك عن طريق إثارة الشبهات والشكوك، ومحاولة فهم النصوص المقدسة بوضعها في بعد بشري معزول عن أية علاقة بالوحي.

فالاستشراق إذن قد مثل ولا يزال يمثل تحدياً صارخاً أمام الفكر الإسلامي، والدعوة الإسلامية، ونحن أمام هذا التحدي لا يكفي فقط أن نبدي الغضب والاحتجاج - الأمر الذي يعيبه علينا المستشرقون -، بل ينبغي علينا أن نأخذ الأمر مأخذ الجد، ونرد الصاع بالصاعين، وهو ما تجده في المقال التالي بعنوان (مناهضة الفكر الاستشراقي).

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply