الخطة الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط من منظور إسرائيلي


بسم الله الرحمن الرحيم

 

تتابع إسرائيل بدأب واهتمام كبيرين وقائع الحرب الأمريكية ضد العراق، ولكن هذه المتابعة التي اتسمت بالحماس باتت تتسم أيضاً بالقلق، فالحملة الأمريكية انطلقت في البداية بدعوى نزع أسلحة الدمار الشامل التي يملكها العراق، وبعد ذلك توسعت أهدافها لتشمل تغيير النظام فيه الذي ينتمي - بحسب الرئيس بوش - إلى "محور الشر" (مع إيران وكوريا الشمالية)، وهاهي الإدارة الأمريكية تتّجه نحو الإعلان عن أن خطة حربها ضد العراق باتت تتضمّن أيضاً السعي إلى بناء "شرق أوسط جديد" يتأسس على نشر الديمقراطية والانفتاح الاقتصادي في الدول العربية، وذلك في خطاب سيلقيه كولن باول وزير الخارجية الأمريكي في 6 نوفمبر المقبل.

وكالعادة فقد كانت الإدارة الأمريكية حريصة على إطلاع إسرائيل على مضمون هذا الخطاب! وبحسب التسريبات الإسرائيلية (هآرتس 25/10) فإن خطاب باول هذا سيتضمن الحديث عن ضرورة دمقرطة المؤسسات في دول المنطقة، والاهتمام بحقوق النساء، وتعزيز حرية الصحافة، وشفافية الحكم، وتحفيز الفرص الاقتصادية والتعليمية، كما سيدعو باول كل شعوب المنطقة إلى التعاون الاقتصادي، وسيعلن عن مبادرة "للتعاون الاقتصادي" كأساس هام في نظرية الأمن القومي الجديدة للولايات المتحدة، وانطلاقاً من أن إقامة منطقة تجارية حرة في الشرق الأوسط سيساعد في تشجيع إصلاحات اقتصادية وتطوير اقتصاد السوق.

وفي الحقيقة فإن هذه الخطة بغض النظر عن تعبيراتها المباشرة تذكّر بالتقرير المغرض الذي وضعه لوران مورافيتش المحلل في مؤسسة "راند" للدراسات، وقدم في العاشر من يوليو الماضي إلى هيئة السياسة الدفاعية في وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" والتي يشرف عليها ريتشارد بيرل، تحت عنوان: "الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط"، والذي جرى فيه الحديث عن ضرورة التغيير في المنطقة بحيث يكون "العراق هو المحور التكتيكي، والسعودية هي المحور الاستراتيجي، ومصر هي الجائزة"، كما تذكّر بخطة ريتشارد بيرل ذاته التي قدمها إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو في مطلع عام 1996م، وتتضمن فرض التسوية والنظام الإقليمي على العرب بواسطة وسائل القوة والضغط الأمريكي، وبما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية.

وإذا كانت خطط الإدارة الأمريكية المتعلقة بنزع سلاح العراق وتغيير نظامه تتساوق تماماً مع الأهداف الإسرائيلية الرامية لإضعافه ومن ثم إخراجه نهائياً من معادلات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فإن الخطة الأمريكية الجديدة المتعلقة بالشرق الأوسط الجديد لا يبدو أنها تبعث على ارتياح الإسرائيليين، وما يلفت الانتباه أيضاً أنه ثمة خلاف بين الإسرائيليين حول هذه الخطة وجدواها وأبعادها وانعكاساتها السلبية أو الإيجابية على الجانب الإسرائيلي.

وفي هذا الصدد حذّر ميرون بنفنستي في مقال نشره في هآرتس (24/10) من مغبة التفاؤل إزاء المخططات الأمريكية الشرق أوسطية وقال متسائلاً: "بعضهم يرى في الحرب ضد العراق فرصة لبناء "منطقة سلام ديمقراطية"، تقوم في ظلها في البلدان العربية أنظمة ليبرالية - ديمقراطية ومعتدلة، ولكن هل حقاً مثل هذا "الشرق الأوسط الجديد" سيحل المشكلات، أم سيحدث عدم استقرار يثقل على إسرائيل بالذات؟ هل يعتقد أحد ما بأن نظاماً بديلاً في العراق سيوقّع على اتفاق سلام فوري مع إسرائيل؟ وهل لإسرائيل مصلحة في انهيار المملكة الأردنية؟ هل الجماهير التي ستحظى بأنظمة ديمقراطية تتوق بهذا القدر للسلام مع إسرائيل؟ "، وبدوره فقد حذّر ألوف بن من انعكاسات ما يجري على عملية التسوية، وبرأيه فإن: "مجرد وجود إطار لحل النزاع يحظى بالموافقة الدولية يعني التلويح للطرفين أن وقتهما محدود (يقصد خطة بوش حول الدولة الفلسطينية)، في اليوم الذي تقرر فيه الولايات المتحدة التدخل سيكون لها إطار جاهز يصعب على الطرفين رفضه، وعندئذ سيسجّل شارون في التاريخ كمن مهد الطريق للدولة الفلسطينية"(هآرتس20/10)، ويذكر أن هذا الاستنتاج يتفق مع ما كان مارتن أنديك قد خلص إليه بقوله: "إن الحرب ضد العراق قد تبدأ بالضغط الأمريكي من أجل تجنيد الدعم الدولي لها، لكنها قد تنتهي بالضغط الأمريكي على إسرائيل من أجل سحب جيوشها من الضفة"(يديعوت أحرونوت 13/9)

ويمكن اعتبار البيان الذي أصدره في سبتمبر الماضي 97 أكاديمياً بمثابة أجرأ موقف إسرائيلي جماعي إزاء الحرب الأمريكية ضد العراق، وجاء في البيان: "نحن أعضاء الوسط الأكاديمي الإسرائيلي يروعنا تصاعد حدة الاعتداءات الأمريكية على العراق، والدعم الحماسي الذي تحظى به من جانب القيادة السياسية الإسرائيلية، وإننا قلقون جداً بإزاء الدلائل التي تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية قد تعمد إلى استغلال "فوضى الحرب" لكي ترتكب مزيداً من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، وهي جرائم قد تصل إلى حد التطهير العرقي الكامل (الترانسفير)، إننا ندعو المجتمع الدولي إلى التنبه للأحداث الجارية الآن داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة، لكي يصبح من الواضح في شكل مطلق أن الجرائم ضد الإنسانية أمر مرفوض تماماً، وبغية اتخاذ تدابير ملموسة للحيلولة دون حصول جرائم كهذه".

وانسجاماً مع مواقفه الجريئة المتعاطفة مع الفلسطينيين طرح جدعون ليفي كعادته عدة تساؤلات لفت فيها الانتباه إلى خطورة موقف المجتمع الإسرائيلي من الحرب، مستنكراً في نفس الوقت هذا الموقف وهذه الحرب، يقول ليفي: " كيف حدث أن خرج في بريطانيا 50 ألف إنسان للتظاهر ضد الحرب في العراق، بينما لم يخرج في إسرائيل متظاهر واحد؟، وكيف حدث ألا تشهد إسرائيل نقاشاً جماهيرياً حول ضرورة هذه الحرب في الوقت الذي يحتدم فيه الجدل حولها في الولايات المتحدة وأوروبا؟ إسرائيل تتحدث مرة أخرى بصوت واحد - صوت الحكومة -، مثلما يحدث في المسألة الفلسطينية، وأحد الأسئلة الصعبة التي تثيرها إمكانية شن الحرب على العراق، طرح في الأسبوع الماضي في لجنة الخارجية والأمن من قبل يوسي سريد الذي كان من القلائل الذين تجرؤوا على التشكيك جهاراً في ضرورة الحرب، سريد تساءل عما سيحدث إذا نجحت الحرب وتمت إزاحة صدام حسين وساد في العالم العربي هيجان"(هآرتس6/10)

وعلى العكس مما تقدم فمن الجهة المقابلة برزت مواقف إسرائيلية مشجعة ومتحمسة تماماً للخطة الأمريكية "الشرق أوسطية"، داعية إلى عودة الاستعمار لهذه المنطقة، فهذه المواقف انطلقت من إمكانية شطب السلطة الفلسطينية، والانتهاء من عملية التسوية، وصولاً ربما لترحيل قسم من الفلسطينيين، وفرض الواقع الإسرائيلي على العرب بوسائل القوة والإكراه، وفي هذا الإطار مثلاً يقول جي باخور: "الدكتاتوريات في العالم العربي فشلت في الخمسين سنة الأخيرة في إدارة بلدانها، بل وصارت خطراً على سلامة العالم، ومثلما احتاج الألمان إلى إنقاذ من الخارج من نظام شمولي استبدادي، هكذا يحتاج ذلك العرب أيضاً، في العراق، في جيرانه، وكذا في المناطق الفلسطينية، في الغرب باتوا يدركون أكثر فأكثر بأن هذه الأنظمة العربية غير المسؤولة تولد موجات إرهابية ولا تسمح لأي خيار آخر أمام العالم المذهول" (يديعوت أحرونوت 20/10)، ويذهب تسفي بار (رئيس بلدية رمات جان قائد حرس الحدود سابقاً) أبعد من ذلك كثيراً، ففي تحريض لا يخلو من العنصرية يقول: "الكثيرون يتساءلون مستغربين عن سبب إصرار بوش وبلير وحزمهما في الهجوم على العراق، السبب هو قلقهما من حقيقة أن جزءاً من الثروات الطبيعية العالمية مثل الفحم والنفط الضروريين لوجود وبقاء الجنس البشري موجود بيد الطاغوت: إيران والعراق وليبيا والسعودية، والدولة الأخيرة تظهر في الآونة الأخيرة بصورة الدولة الداعمة والممولة للإرهاب، الحرب الوشيكة هي مرحلة، أمريكا ستهاجم العراق وستحقق أهدافها، وفي المرحلة التالية ستكون هناك حاجة إلى سن قوانين دولية في إطارها يعلن عن الثروات الطبيعية (الفحم والنفط وما شابه) تحت وصاية دولية، مع سد الطريق على إمكانية وقوعها بيد الإرهابيين والقبائل والمتوحشين عديمي المسؤولية من بني البشر. (هآرتس22/9)

أما نتنياهو (رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق) ففي كلمة ألقاها أمام مجلس النواب الأمريكي طالب الإدارة الأمريكية بتوسيع نطاق الحرب لإسقاط الأنظمة في 6 دول من أجل تفكيك الشبكة الإرهابية العالمية، وبحسب صحيفة معاريف (13/9) فإن نتنياهو لم يحدد أسماء الدول لكنه قصد سلطة عرفات وإيران والعراق وسوريا وليبيا والسودان، وقال نتنياهو في خطابه المذكور: "لو لم تدمر أبراج التوائم والبنتاجون لاقترحت بأن الوسيلة للقضاء على شبكة الإرهاب العالمية هي حل 6 أنظمة و 24 منظمة إرهابية تابعة لها، والخطر الأخير الذي يحوم فوق العالم هو تزود جزء من شبكة الإرهاب بسلاح نووي".

وعلى أية حال فإنه في ظل هذه الأوضاع المزرية التي تتحكم فيها الإدارة الأمريكية في العالم من حق إسرائيل أن تبدي كل الحماس للخطط الأمريكية، فليس ثمة ما هو أفضل بالنسبة لها من وضع تقوم فيه دولة أخرى على قياس أمريكا بحرب في المنطقة بالوكالة عنها، خصوصاً أن هذه الحرب ستؤدي حتماً إلى إضعاف العراق، ولخبطة الأوضاع في المنطقة، ولكن من جهة ثانية ثمة ما يدعو إسرائيل للقلق كثيراً إذ إن عواقب عدم الاستقرار والفراغ ربما تكون خطيرة جداً على إسرائيل وعلى المصالح الأمريكية في المنطقة، وفي الواقع فلا شيء يرجح عكس ذلك في ظل الرمال الشرق أوسطية المتحركة، ولا شيء يدعو أحداً للتفاؤل ومن ضمن ذلك بالطبع إسرائيل أولاً

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply