حدث في عاشوراء

26 شوال 1447 (14-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

في أواسط الثمانينات كنا في زيارة للداعية المبارك الزاهد الشيخ فؤاد الآلوسي رحمه الله في منزله المتواضع جدًا في منطقة "سَبع أبكار" ببغداد، وكان في زيارته كذلك عمُّه الوقور الأديب السبعيني أبو أواب رحمه الله، وكان حديثُهُ بليغًا، نافعًا ماتعًا، وقد قصَّ علينا في سياق حديثه واقعةً عجيبةً حضرَها بنفسه وشاهدها بأمِّ عينه في مدينة كربلاء، أيام عاشوراء في أوائل الخمسينات، سأنقلها لكم الآن بعد مضيِّ أربعين سنةً على سماعها منه، شهادةً لله تعالى ثم للتاريخ، عسى إن يعتبِرَ بها معتبِر.

حدَّثنا الأستاذ الموقَّر أبو أواب رحمه الله قال: من أعجب ما رأيتُ في حياتي أني كنت في زيارة عمل إلى مدينة كربلاء لعدَّة أيام، ووافق الوقتُ موسمَ عاشوراء الذي تقام فيه الطقوسُ الشيعيةُ الخاصة، وترى المواكبَ "الحسينية" تتوافد على المزارات من كلِّ حَدَبٍ وصَوب، وقد قدَّر اللهُ لي إن أرى بين الزحام رجُلًا معمَّمًا بعمامة سوداء "سيد" يرتقي منبرًا قصيرًا ويخطب الناس، ويذكر لهم فضائلَ الزيارة، وثوابَ القائمين على خدمة زوار الحسين، واسترسل في ذكر رواياتٍ يزعُم أنها عن أهل البيت رضي الله عنهم، حتى ذكرَ روايةً في فضل عمل "الهريسة" وإطعام الطعام في تلك الأيام، فقال: (لو إن امرأةً فعلت الفاحشةَ مع أخيها في جَوف الكعبة، ثمَّ أخذت عودًا فأوقدت تحت قدر الهريسة في هذا اليوم، غفر الله لها)! ! وبطبيعة الحال ضجَّ الناس بالصلوات على محمد وآل محمد، إعجابًا بهذه التُرَّهات، إلا رجُلًا يبدو أنه أرقى قليلا من مستوى القطيع الذي يسمع ويهزُّ رأسه على الدوام، نادى السيدَ بأعلى صوته: سيدَنا؛ ألا ترى إن مثلَ هذه الروايات يُفسدُ علينا نساءَنا، ويهوِّن من جريمة الزنى عند الناس؟!

وعلى الفور يلتفتُ المعمَّم إلى مصدر الصوت، وعيناه تقدحُ بالشرر، وقد احمرَّ وجهه، وانتفخت أوداجُه، ليصرخ قائلا: أيها الملعون، أتعترضُ على روايات أهل البيت وتردُّها على الملأ؟! ! اقتلوا هذا الزنديق!

وما هي إلا لحظات وإذا بالعصي تنهالُ عليه من كل جهة، والحراب تُقطعه إرَبًا، حتى أصبح في دقائق جثةً هامدةً بلا حراك، وكأنَّ شيئًا لم يكن! !

أفزَعني هذا المنظر وغادرت المكان على الفور، وتركت مهمتي التي ذهبت لأجلها وعدتُ إلى بغداد، وصورةُ ما رأيت لا تفارق مخيلتي، ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا لا يدخل علينا شهرُ الله المحرم إلا ويُستدعى ذلك المشهدُ المقزِّزُ من ذاكرتي، فيشوِّش على نفسيتي لأيام.

قال الأستاذ أبو أواب: أنا أنقل لكم ما رأيت بعيني، وأشهِدُ اللهَ على ما أقولُ، وأني لم أزد فيه حرفا، فمن شاء إن ينقل عني فليفعل.

وأنا أقول: هذا ما حدثنا به الرجل الصالح الثقة والعهدة عليه، ولم أزد على ما ذكره لنا شيئا يُغيِّرُ المعنى.

ولنا مع هذه الحادثة تعليقات يسيرة:

أولا: تعظيمُ عوام الشيعة لمعمَّميهم عامة، والسادةِ منهم خاصة إلى حدِّ التقديس، فطاعتهم لهم طاعة عمياء، حتى لو أمروهم بقتل أنفسهم لانقادوا بلا تفكير.

ثانيا: استغلال هؤلاء المعممين لتقديس العوام وانقيادهم لهم في التغوُّل عليهم ومعاملتهم معاملةَ القطيع من الدواب، فليس من حقِّ أحدٍ من العامة إن يفكرَ فضلا عن إن يناقش ويعترض.

ثالثا: الاستهانةُ بدماء الأبرياء عند القوم، حتى لو كانوا من الأتباع إذا حصل منهم شيءٌ يسير من المخالفة، فما بالكم بموقفهم من المخالفين من أهل السنة الذين يصنفونهم من النواصِب، الذين يوالون أعداءَ أهل البيت من الصحابة الكرام (كما يزعمون)! ! !

رابعا: حالةُ الفوضى والانفلات الأمني التي كانت تسودُ هذه المناطق في مواسم اللطم والتطبير، والتي كان يموت فيها من التطبير عددٌ غفير، فيختلط الحابل بالنابل، ولا يُعرف المُطبِّرُ مِن القاتل.

خامسا: لعلَّ من حسنات نظام الحكم العراقي البائد، على هَناته وعِلاته، أنه اشتغلَ على بناء دولة مدنية حديثة وَفق تصوراته، والتي من مقتضياتها المنعُ من مظاهر التخلُّف المتمثلة بطقوس الشعائر الحسينية الشيعية، والتي تحطُّ من الكرامة الإنسانية للبشر.

وقد أدركتُ عهدَ ما قبلَ المنع (على صغر سني حينها) أهوالًا وأهوالا.

لقد كانت مواكبُ اللطم والنياحة والضرب بالزناجيل والقامات تجول في الشوارع والطرقات، وكانت سيارات الإسعاف تسيرُ بمحاذاتها لتقوم بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحالات التي لم تبلغ حدَّ الوفاة بسبب إيذاء النفس.

ويبدو إن حليمةَ عادت إلى عادتها القديمة، ورجعت الطقوس الهندوكية والبوذية إلى الميادين من جديد، وتلفَّحت عاصمةُ المنصور والرشيد بالسواد، تسرح فيها الدواب ومواكب التشابيه مختلطة مع التكاتك التي ملأت الطرقات، وسدَّت الآفاق، في أرقى الأحياء وأجملها، وارتفع فيها رايات الحزن والمآتم على أسطح المنازل، وكأنها تتحسر على عهد ولَّى من النهضة والبناء، والعلم والارتقاء، والله المستعان.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق