خريف المتاع وفجر اليقين

88
2 دقائق
2 ذو الحجة 1447 (19-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

تأمل كيف تختصر الآيات قصة الوجود الإنساني في مشهد خاطف؛ سنوات من المتاع المديد يصورها قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾، تتبعها لحظة الوعد الحق التي لا مفر منها: ﴿ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، لينتهي الصخب بصفرية الغنيمة حين يقول الحق سبحانه: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ.

إن طول البقاء في هذه الدار ليس صك رضا، بل هو مهلة قد تتحول إلى حسرة إذا غفل الإنسان عن آخرته، فمهما تجملت الدنيا واتسعت سنونها، فهي في ميزان الحقيقة متاع فان لا يدفع عن صاحبه شيئًا إذا جاء أمر الله.

ولذا كان لزامًا على العاقل ألا يغتر بالنعم، بل يستثمر ساعاته فيما يقربه إلى ربه، مجاهدًا نفسه على الزهد، ومبادرًا بالتوبة وإصلاح الأخطاء قبل بغتة الحساب.

ومن رحمة الله الواسعة أنه لا يهلك قومًا إلا بعد إرسال المنذرين وإقامة الحجة، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾، فما كان سبحانه ليظلم عباده، بل قدم لهم الذكرى والموعظة رحمة وعدلًا: ﴿ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.

إن هذا الإنذار هو طوق نجاة لمن أراد الاتعاظ، مما يستوجب على المرء إن يشكر نعمة الهداية، ويستجيب للنصح بصدر رحب، مجتنبًا الإصرار على المعصية، وحريصًا على حضور مجالس العلم التي ترد بها الحقوق ويستنار بها في طريق العدل.

ثم يرتقي بنا السياق لنقف بخشوع أمام جلال هذا القرآن الذي حفظه الله من تلاعب الشياطين، فقال سبحانه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾، فما نزلت به أرواح الشر، ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، فقد حجبوا عن سماع الوحي ليصل إليك نقيًا مصونًا: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.

إن عبث الباطل ينكسر دائمًا أمام سلطان الحق المحفوظ، مما يبني في النفس ثقة لا تهتز بكلام الله، ويدفعها للاعتصام به وتعظيمه، بعيدًا عن مصادر الضلال والشبهات.

وينتهي هذا السير الإيماني إلى الغاية العظمى وأساس النجاة، وهو إخلاص التوحيد لله وحده، فيأتي النداء الحاسم: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾.

إن هذا التحذير هو عماد العقيدة الصحيحة، التي تقتضي تجديد النية في كل طاعة، وإفراد الله بالدعاء والاستعانة، حذرًا من مظاهر الشرك كلها، ليظل القلب معلقًا بخالقه، مستمسكًا بحبل الإخلاص الذي لا ينفصم.

فيا أيها السائر في دروب السنين، لا يغرنك بريق المتاع وإن طال، فما هو إلا ظل زائل، وانظر إلى قلبك؛ هل عمرته بالتوحيد كما حفظ الله كتابه بالتنزيه؟ إن الربح الحقيقي ليس في ما تجمعه يداك من حطام، بل في ما يوقر في صدرك من يقين. فاجعل من ذكرى الآخرة بوصلة لخطواتك، ومن نور الوحي سراجًا لظلماتك، فالسعيد من خرج من الدنيا بقلب سليم، لا يحمل معه إلا صدق اللجوء إلى الله، فثمة المستقر، وثمة الأمان الذي لا يخالطه فزع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق