أقوال وحكم في أحوال أهل البدع

8 محرم 1448 (24-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أقوال وحكم في أحوال أهل البدع – شعيب الناصري

وأما بعد:

فإن البدع قد إمتلأت أرض المسلمين بها في هذا الزمان والله المستعان قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله (العبادات الأصل فيها المنع إلا إذا أذن بها الشرع) القواعد الفقهية ص (32)، أي سواء كانت العبادة فرضا أو سُنة والبدع هي متعلقة بالتعبد لله وقد تكون له نية صادقة لكن المشكلة إن العمل غير مشروع فيتحول العمل إلى بدعة محدثة ثم يَأثم صاحبها عليه ولهذا قال أهل العلم (النية مشروطة بالإخلاص والمتابعة) والمتابعة هي ما ثبت بدليل شرعي ومشكلة أهل البدع أنهم لا يملكون الأدلة على هذه الأفعال التي يفعلونها مثل الذِكر الجماعي وغيره، قال الإمام ابن باديس رحمه الله (فإن البدع كلها من قسم المخالفات والمخالفات لا تنقلب طاعات بالنيات) الرد النفيس ص (85) وهذا ردٌ كافي وشافي بإذن الله على كل مَن إعتقد إن النية الحسنة دليل على الوقوع في البدع متى شاء وكيف شاء قال أبوا سلمان الداراني رحمه الله (إذا أردت عملا ترى أنه طاعة فانظر فإن وردت به السُنة وإلا فدعه) وصية ابن قدامة ص (27)، وهذه قاعدة مهمة تجعل من المسلم يَأخذ حذره من الوقوع في البدع طوال حياته في الدنيا قال الإمام البربهاري رحمه الله (كل بدعة أُحدثت في هذه الأُمة كان أولها صغيرا يُشبه الحق) مجلة الإحياء العدد (15) ص (10) ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمور مُشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)) رواه الشيخان، أي أشياء تُشبه الحلال وهي حرام أو أقرب إلى الحرام ومنها البدع فيأتي شخص ويقول مَثلا "قراءة القرآن أليس فيه أجر؟ " الجواب: نَعم فيه أجر لكن الكيفية قد تكون حراما مثل من يقرأ القرآن في المرحاض أو يقرأ القرآن مع الموسيقى إذن الكيفية هنا حرام فكذلك الذِكر الجماعي أو قراءة القرآن جماعة فهذه الكيفية هي بدعة لم تثبت عن السلف أنهم فعلوها وقس على ذلك، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله (فما لم يكن يؤمئذ دينا فلا يكون اليوم دينا) جامع المهلكات ص (563) أي في عهد السلف أصحاب القرون الثلاثة الأولى منذ عهد النبوة فأكثر الناس لا تهتم بهذا الشأن فتجده يقع في البدع والمخالفات وهو لا يدري ولهذا قال بعض أهل العلم (كيف يتقي من لا يدري ما يتقي؟ ) ولهذا عليك إن تعلم ماهي البدعة لكي لا تقع فيها وتعلم الشرك كي لا تقع فيه وهكذا وقال حذيفة بن اليمان "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة إن يُدركني" رواه الشيخان، وانظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قبَّل الحَجر الأسود ماذا قال؟ قال (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولو لا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يُقبلك ما قبَّلتك) رواه البخاري، لماذا قال هذا الكلام؟ لأن هذا هو الأصل في معنى الإقتداء ولو لم يفعل النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لَما فَعله الصحابي الجليل فهذا هو عين الإتباع ولهذا قال العلماء (الإقتصاد في السُنة أحسن من الإجتهاد في البدعة) نَعم لأن الإجتهاد في البدعة مثل مَن يزيد في البحر ماءً فيُتعب نفسه بلا فائدة فلا يستطيع بعد ذلك معرفة الماء العذب من المالح وقد نُسب للإمام ابن القيم رحمه الله أنه قال (العمل بغير إخلاص ولا إقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملا يَثقلهُ ولا ينفعه) قوله "ولا إقتداء" أي مثل البدع التي تكون من باب الجهل، ومن أحسن ما قاله الإمام سفيان الثوري رحمه الله (البدعة أحبُ إلى إبليس من المعصية) تلبيس إبليس ص (16)، لماذا هي أحبُ إليه من المعصية؟ الجواب: لأن المعصية صاحبها يعلم أنه على خطأ وذنب أما المبتدع يعتقد أنه فَعل الصواب وهو مأجور على ذلك والله المستعان، قال الإمام ابن القيم رحمه الله (المبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة) الداء والدواء ص (332)، أي عندما يدعوهم إلى بدعته ويستجيب الناس له ويقتدون في ذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)) صحيح الجامع، وقال ((ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه مِن الإثمِ مِثْلُ آثامِ مَن تبِعهُ لا ينقُصُ ذلك مِن آثامِهم شيئًا)) رواه مسلم وغيره، قال الشيخ العربي التبسي رحمه الله في حق البدعة (ومَن نصرها كان له من الوزر مثل أوزار من أحدثها) السلفية لابن باديس ص (28)، فالبدعة قد خَفَّ أمرها عند الناس اليوم قال تعالى {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} النور (15)، أي ذنبٌ عظيم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن البدع (هي من تبديل شرع الله عزوجل) كن سلفيا على الجادة ما تحت الخط ص (118) فلا تُشارك الناس في هذا التبديل يرحمك الله، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله (البدع كلها لا خير فيها) الأسباب والأعمال ص (74-75)، أي من دون إستثناء وقد قال بعضهم (لو فعل المسلم كل الطاعات الواجبة والسُنن المستحبة ما إستطاع إن يجمعها كلها ويفعلها فكيف يتركها ويذهب للبدع) وهذا مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم ((إنَّهُ ليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى الجنةِ إلَّا قد أَمَرْتُكُمْ بهِ)) السلسلة الصحيحة، والأمر من الرسول لا يكون إلا مصحوبا بالبيّنة فكيف نترك هذا البيان ونذهب لما ليس فيه نصف دليل؟ قال الفضيل بن عياض رحمه الله (ومَن جلس مع صاحب بدعة لم يُعط الحكمة) جامع المهلكات ص (579)، أي عقوبة له من الله عزوجل وكذلك مَن جلس مع صاحب كبيرة يُجاهر بها ولم ينصحه ولهذا علينا مراقبة العادات قبل تحولها إلى عبادات وبدعٍ ومخالفات قال حاج عيسى (وإنما تتحول العادة إلى بدعة إذا إقتُرن بها التعبد) الرد النفيس ص (242)، والعادة قسمان ومنها المُباح ومنها المحرمة فأما التي هي من المباحات كالنوم والأكل والرياضة. الخ فهذه إذا كانت فيها نية حسنة للتقوي على الطاعات فهي أجرٌ وغنيمة وأما التي هي من المحرمات مثل التقليد الأعمى في الأعراس والجنائز وتقليد الآباء في بعض الطقوس عند زيارة المقابر. الخ فهذه لا تجوز وتكون من البدع قال الإمام ابن باديس رحمه الله في خطر البدع على المسلمين (أماتت ضمائرهم وخدرت عقولهم وجمدت أفكارهم وأفسدت أخلاقهم وأضاعت أموالهم وسلبتهم حقيقة دينهم وتركتهم بلاء على أنفسهم وفتنة لغيرهم) الرد النفيس ص (110)، وهنا ثمانية أخطار وأعظمها سلب الدين من القلب ولهذا يقال (البدع تجر للردة الصريحة) وأما عن موت الضمير فهذا قد عمَّت به الدنيا اليوم فأصبح الناس لا يهتمون بالسُنة أصلا بل يقولون أنها "ليست فرضا" وتجدهم يُدافعون عن البدع بكل ما أُوتوا من قوة وعِلم والله المستعان، وأما عن تخذير العقل فيكون بالشبهات والضلالات التي تُنتشر اليوم بيننا من حين إلى آخر، وأما قوله تجميدا للأفكار أي بعد فساد العلم فيُصبح المسلم كالجماد لا يبحث عن الحق وأما فساد الأخلاق هو كما الذي نراه اليوم من الرقص في المساجد والتهريج على المنابر وأما عن ضياع الأموال فهي كالتي نراها في الإحتفال بالموالد وزيارة المشاهد وغيرها وقوله "وبلاءً على أنفسهم" أي بتصديق كل مَن هب ودب حتى رأينا ممن يتآكل بالدعوة فيجر بالناس للفتن وهم خلفه يهتفون باسمه ويُقدسونه والله المستعان، وقوله "وفتنة لغيرهم" أي من عوام المسلمين وجُهالهم يعيشون التقليد الأعمى الذي نراه اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال الشيخ الفوزان حفظه الله (والبدع تقضي على السُنن وتُكرِه إلى أصحابها فِعل السُنن وأهل السُنة والبدعة تُباعد عن الله وتوجب غضبه وعقابه وتُسبب زيغ القلوب وفسادها) عقيدة التوحيد ص (142)، وهذا الذي نُشاهده اليوم بُغض وحِقد من أهل البدع لنا دون سبب فنحن إن أبغضناهم، أبغضناهم على حق وهو بسبب هذه البدع لكن هم يُبغضوننا لا لشيء إلا أننا نُحذرهم من البدع وانظر إلى خطر البدع على أصحابها يوم القيامة قال العلماء (البدعة سببٌ في الحرمان من الشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم) أصول الإيمان لنُخبة من العلماء ص (240)، وليس هذا فقط بل هي من أسباب دخول النار لقوله صلى الله عليه وسلم ((وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)) صحيح الجامع، وإن كانت فالبدعة تنقسم إلى قسمان مُكفرة وغير مُكفرة وهذا آخر ما وفقني الله فيه وكما قال بعضهم (طالب الحق يكفيه دليل واحد وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل) قال تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} القصص (56)، وقال عزوجل {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} الرعد (40)، فمن أراد الحق فإن الحق واضح مثل الشمس دون سحاب في النهار وهو كالقمر دون سحاب في الليل لكن المعاند والمُصر على الباطل لا يقبل الدليل مهما كان فقد كان الناس في عهد الأنبياء يرون المعجزات والبراهين لكن أكثرهم لا يؤمنون وقد قال بعضهم في أهل البدع المعاندين (لو أمطرت السماء بالأدلة لرأيت أهل البدع يحملون مظلات).

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق