بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
يقول بعض العلماء: الطب جُمع في هذه الآية:: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31]؛ فقد أمرهم سبحانه أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله من الطيبات، ولا تسرفوا) أي: لا تأكلوا حرام
ًا. فالإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشَّرَهِ في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه والتنوق في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام. -السعدي-.
وقال رحمه الله: "السرف يبغضه الله، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات".
وقال الطبري رحمه الله: "إن الله لا يحب المتعدين حده في حلال أو حرام، الغالين فيما أحل الله أو حرم، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يُحلَّل ما أحل ويُحرَّم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به".
فهذه الآية الكريمة تعتبر قاعدة عامة في الأكل والشرب واللباس، وجميع شؤون الحياة والعلاقات الإنسانية؛ فالاعتدال مطلوب في كل شيء. بل إن بعض العلماء قالوا: أشنع الإسراف الكفر بالله والتكذيب بالمرسلين، فقالوا في قوله: {ولا تسرفوا} أي: لا تشركوا.
وعندما نتتبع بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، نجد قواعد أخرى في الاهتمام بالصحة حثنا على فعلها ديننا الحنيف، ومن ذلك:
1- قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]؛ فالقاعدة الأصولية تنص على أن العبرة "بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". وهذه الآية نزلت في سياق الإنفاق والجهاد، ولكن يدخل فيها كل أشكال إهلاك النفس، ومنها أي أكل يؤدي لهلاك النفس أو الإضرار بها.
2- آيات تحرم بعض المأكولات والمشروبات والذبائح؛ فالله سبحانه وتعالى لا ينهى عن شيء ولا يأمر به إلا لحكمة، وإن قصر علمنا عن إدراكها، مثل آية سورة البقرة: 173، وآية سورة المائدة: 3، وآية سورة الأنعام: 145.
3- العسل: وفيه شفاء، قال تعالى: {فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ} [النحل: 69]، وفيه معادن الدواء. ويُذكر في الأثر أن فيه شفاء لكل داء إلا السام (الموت).
4- الرطب: وقد ورد ذكره في سورة مريم: {رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: 25].
5- من هديه صلى الله عليه وسلم في الأكل والشرب وحفظ الصحة الشيء الكثير، ومن ذلك: التسمية قبل الأكل والشرب، والحمد لله بعده، والأكل باليمين؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((يا غلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك)).
6- قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلًا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه))؛ فلا يشبع الشبع المفرط، بل يأكل بقدر ما يتقوى به. فإذا كان لا بد له أن يستزيد، فليأخذ بهذه القاعدة العظيمة، فالرئة تحتاج إلى مساحة للتنفس، وامتلاء البطن يحجم أمرها ويقلل من أدائها.
7- كان صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان يترك الطعام واللحم المطبوخ تزهدًا، وليس عجزًا أو تحريمًا؛ فكانت تمر عليه الشهور لا توقد في بيته نار. قالت عائشة رضي الله عنها: ((إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقلت: يا خالة، ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء)).
8- كان صلى الله عليه وسلم يجمع بين أكل البارد والحار في الوجبة الواحدة لتحقيق التوازن الغذائي؛ فقد ورد في الحديث الصحيح أنه كان يأكل القثاء بالرطب، وكان ينهى عن أكل الطعام في شدة حرارته.
9- كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنكم لا تدرون في أيه البركة)).
10- شرب الماء البارد: قالت عائشة رضي الله عنها: ((كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد)). وكان ﷺ يفضل شرب الماء البارد الممزوج بالعسل لما له من فوائد عظيمة.
وهذا -والله أعلم- لا يمنع من الشبع في بعض المرات، ولكنه إرشاد للأفضل والأنفع للبدن والقلب؛ فإن البطن إذا امتلأت من الطعام ضاقت عن الشراب، فإذا ورد عليها الشراب ضاقت عن النفس، وعرض لها الكرب والتعب بحمله.
والله أعلم.