ولتنظر نفس ما قدمت لغد

7 دقائق
6 صفر 1448 (22-07-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}.

معاشر المؤمنين الكرام: ليس هناك علاقةٌ في حياة الانسانِ أهمَّ ولا أعظمَ من علاقته بربه جلّ وعلا، فهي العلاقةُ التي يُحققُ الإنسانُ بها هدفَ وجوده، ويرتقي بها أرفعَ درجاتِ مجدِهِ. إنها العلاقةُ التي إن توثَّقت وقويت، طابت حياةُ العبدِ وصلحت، وكانت سببًا بتوفيق اللهِ للفوز العظيم، والنعيم المقيم. تأمّل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون}. وقال تعالى: {إن الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}. وهذا ولا شك يتطلبُ من المسلم محاسبةً للنفس، ومراجعةً لها بين الفينةِ والأخرى، خُصوصًا بعد المواسم الفاضلة، ومع نهاية كلِّ عام.

وإِنَّ في تَقَلُّبِ اللَّيالي وَالأيامِ لعِبرَةً، وإنّ في تصرُّم الزمانِ لذكرى. أَيَّامٌ تُطوَى، وَأَعمَارٌ تَفنى، أَحبَابٌ يَنتقلونَ، وجيرانٌ يَرحلونَ، وأصدقاءٌ يموتون، دولٌ تتصارع، وفتنٌ تتابع، وأزماتٌ تعصف، وحروب ترجف، وأَحوَالٌ تتقلبُ، وأوضاعٌ تضطربُ، وكل ذلك يَدعُو العاقلَ للتأمُّل والتَّفكُّر، ويبعثُ على التَّدبُّر والتَّبصُّر. {إن في خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولي الألبَابِ}، وَقَالَ سُبحَانَهُ: {إن في ذَلِكَ لَذِكرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ أَو أَلقَى السَّمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.

نَعَم يا عِبَادَ اللهِ: فمن رزقهُ اللهُ قلبًا يتذكَّر، وعقلًا يتفكَّر، فأولئك الَّذِينَ سيَنتَفِعُونَ بِالمواعظ والعِبَر، ويتعِظون بمُرُورِ الأَيَّامِ وتوالي الغِيرِ. وَهمُ الذين يَزدَادُونُ بِطُولِ الأَعمَارِ مَعرِفَةً لأَنفُسِهِم، وَفَهمًا لِطبيعة مَا حَولَهُم، وقربًا من ربهم. وَأَمَّا مَنِ طالت نَومَتُهُ، وَاستَحكَمَت غَفلَتُهُ، وَأَحَاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَمَا أشدَّ مُصيبته: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}. {أَفَلَم يَسِيرُوا في الأَرضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلُوبٌ يَعقِلُونَ بها أَو آذَانٌ يَسمَعُونَ بها فَإِنَّهَا لا تَعمَى الأَبصَارُ وَلَكِنْ تَعمَى القُلُوبُ الَّتي في الصُّدُورِ}.

وفي الحديث الصحيح قال : "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا".

وفي الحديث الحسن، قال عليه الصلاة والسلام: "لا تَزُولُ قَدَمَا عَبدٍ يَومَ القِيَامَةِ حَتى يُسأَلَ عَن عُمُرِهِ فِيمَ أَفنَاهُ، وَعَن عِلمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ، وَعَن مَالِهِ مِن أَينَ اكتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنفَقَهُ، وَعَن جِسمِهِ فِيمَ أَبلاهُ".

وفي صحيح مسلم، حديثٌ قدسيٌ عظيم: قال الله تعالى: "يا عِبادي، إنَّما هي أعمالُكُم أُحصيها لَكُم، ثُمَّ أوفِّيكُم إيَّاها، فمَن وجَدَ خَيرًا فليَحمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلومَنَّ إلَّا نَفسَه".

فيا أيها الناصحُ لنفسه: هلَّا خلوت بنفسك وحاسِبتها حسابَ الشريك الشّحيح لشريكه، كما يقول ميمون بن مهران رحمه الله: "لا يكون العبدُ تقيًّا حتى يكونَ مع نفسهِ أشدَّ من الشريك الشحيح مع شريكه". هلَّا وقفت مع نفسك وقفةً جادة، تراجعها وتُصحِّحُ مسارها، وتتدارك ما فات من زلَّاتَها. فالعاقلُ لا بدَّ إن يراجعَ نفسهُ، وأن يحاسبها على ما قدم في يومه وأمسه، وأن ينظرَ فيما مضى من أعماله؛ وماذا ادَّخرَ منها لقبره وآخرته؟. فإنّ كان خيرًا فليحمد الله، وليُكثر من الصالحات، وإنّ كان غير ذلك فليتب وليهجر المعاصي والسيئات، وليتدارك نفسه بكثرة الاستغفار وفعل الصالحات. فالإنسانُ مَهمَا تَجَاهَلَ أمورهُ وأهملها، أَو تَغَافَلَ عن واجباته وقصَّر فيها، فهو ألأَعلَمُ بأحواله، وَالأَبصَرُ بِعُيُوبِهِ وهَفواتِهِ، {بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَو أَلقَى مَعَاذِيرَهُ}. وفي صحيح مُسلِمٌ، قال: "البِرُّ حُسنُ الخُلُق، وَالإِثمُ مَا حَاكَ في صَدرِكَ وَكَرِهتَ إن يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ".

ولا يليق بالعَبد النَّاصِحِ لِنَفسِهِ، إن يتمادى في غَفلَتِهِ، ولا يليق بالمسلم العاقلِ إن يطولَ رُقاده. فإنَّ جِلسَةً صادقةً مَعَ النَفسِ، وَتَأَمُّلًا عميقًا فيما مضى من أحداث الحياة، وَمراجعةً لمَا مَرَّ بِهِ مِن المواقف والمُتَغَيِّرَاتٍ، وَتفكُّرًا في العواقب والمألات، وإِلى أَينَ سيَصِيرُ بعد الممات؟. إن هَذَا لكَفِيلٌ بِتَوفِيقِ اللهِ إن يُرِيَهُ صُورَةً واضحةً لَمَّا هوَ عَلَيهِ الآن، وَأَن يُبصرَهُ بما يَجِبُ عليه إن يفعلَ في المُستَقبَلِ؛ ذَلِكَ لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّهُ مهما طالَ عمرهُ فسيمَوت. وَأنه سيبعثُ بعدها ويحَاسَبُ، وَلَن ينفعهُ بعدَ توفيق الله إِلاَّ مَا قَدَّمَ. {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد}.

والعَاقِلَ يَعلَمُ كذلك إن لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَابًا، وَأنَّ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ عِقَابًا، وَأَنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابًا، وأنَّ لكلِّ عملٍ حِسابًا. وأنَّ {مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجزَى إِلاَّ مِثلَهَا وَمَن عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَاب}.

والعَاقِلَ يَعلَمُ كذلك إن تزكيةَ النفسِ وتقويمها من ألزم الواجبات، ومن أهمِّ الضرورات، فبتزكية النفسِ يكونُ الصلاح والفلاح، وتتحقق سعادةُ الدنيا والآخرة، وبإهمال التزكيةِ تكونُ الخيبةُ والخسارةُ والهلاك، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}. وقال تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}.

وفي هذا السياق يأتي قولُ الحقِّ تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. فهذه الآية العظيمة تُعدُّ أصلًا في باب محاسبةِ النفسِ وإصلاحِها، بل وتدلُ على وجوب محاسبةِ النفس ولومِها على تقصيرها وإهمالها، وعلى وجوب تذكيرها بيوم القيامة، وحثها على الاستعداد لذلك اليوم العظيم، {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين}.

وفي الآية تنبيهٌ عجيب، إن هذا اليومَ يومٌ قريب، ومن قربه كأنه غدًا: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}، فالغدُ يومٌ قريب، ويوم القيامة آتٍ لا ريب فيه، وسيقفُ العبدُ فيه بين يدي ربه ولا بد، وسيحاسبهُ ويسألهُ عن كل ما قدَّمَ وأخر. {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.

وفي قول الله جلَّ وعلا: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}. دليلٌ على إن الجنةَ لا بدَّ لها من نهيٍ للنفس عن هواها، ومنعها من نزواتها وأطماعها وشهواتها، وأخذها بزمام الحقّ والفضيلة، وإلزامها بأوامر الشرعِ وحدوده، ومجاهدتها على فعل الطاعات، والبعد بها عن المعاصي والمخالفات، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

وفي الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "المجاهد من جاهد نفسه على طاعة الله".

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.

معاشر المؤمنين الكرام: الدُّنْيا أَمَدٌ قَصير، والآخِرةُ أَبدٌ طَويْل، والْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ. واللياليَ والأيام، تَنتَقصُ الأَعْمارَ، وتقرِّبُ الآجالَ، وإنَّما أنت أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُك. فالكيِّسُ من دانَ نفسهُ وعمِلَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ من اتبعَ نفسهُ هواها، وتمنَّى على الله الأماني، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

ومرورَ الليالي والأيامِ، وتصرُّم السنينَ والأعوامِ، يُدني كلَّ حيٍّ من نهايته، فهو اليومَ أقربُ منه أمس، وهو غدًا أقربُ منه اليوم، وكما إن لعامنا هذا يومٌ أخير، فإنّ لكل حيٍّ من المخلوقين يومٌ أخير. {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلىٰ رَبّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ}. و{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُون}.

ومع نهاية العام يَحسنُ بالمسلم إن يقفَ مع نفسه وقفةَ مُراجعةٍ ومحاسبة، حِفاظًا على ما حقَّقَ من مكاسِب وحسنات، وتصحِيحًا لما وقع فيه من أخطاءٍ وهفوات، وتلافيًا لما قصّر فيه وأهمل، وسعيًا منه للأفضلِ والأكمل. {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّٰهَا}.

فلنتأمل يا عباد الله: سنةٌ كاملةٌ نقصَت من أعمارنا، أبعدتنا عن الدنيا، وقرَّبتنا من الآخرة. اثنا عشرَ شهرًا مُتوالِية، خمسون أسبوعًا، 350 يومًا. كُلُّها مرَّت تِباعًا، وتصرّمت سِراعًا. فما الذي أودعناه فيها، وهل ستشهدُ لنا أو علينا، {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. ويقول جل وعلا: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}.

فيا لها من غفلةٍ وخيمةٍ إن يسيرَ الانسانُ في هذه الحياةِ بلا مُحاسبةٍ لنفسه، كيف والنفسُ كالطفل إن تهملهُ شبَّ على حبِّ الرضاع وإن تفطِمهُ ينفطم. والنفسُ راغبةٌ إذا رغبتها. وإذا تردُّ إلى قليلٍ تقنعُ. والله جلَّ جلاله يقول: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}.

وقال أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه: *أيّها الناس، حاسبوا أنفسكم قبل إن تحاسبوا، وزنوها قبل إن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله*، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}.

وقالَ الإمام ابن القيم رحمه الله: *تركُ المحاسبةِ والاسترسالُ، وتسهيلُ الأمورِ وتمشيتُها، يقودُ إلى الهلاكِ، وهذه حالُ أهلِ الغرور، يُغْمضُ أحدُهم عينَيهِ عن العواقبِ ويُمَشّيِ الحال، ويتكِلُ على العفو، ويُهمِلُ المحاسبةَ والنّظرُ في العواقب، فإذا فعل ذلك سهُلَ عليه مواقعةُ الذنوبِ وأنسَ بها، وعَسُر عليه فِطامها*.

وكتبَ عمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه إلى بعضِ عمُّالِهِ: *حاسب نفسكَ في الرخاء قبلَ حسابِ الشِدَّة، فإنّ من حاسبَ نفسهُ في الرخاءِ قبلَ حسابِ الشدة، عادَ أمرُه إلى الرضا والغِبطة، ومن ألهتهُ حياتهُ وشغلتْهُ أهواؤه عادَ أمرُه إلى النَّدامةٍ والخسارة*.

وقال الحسن البصري رحمه الله: *إن المؤمنَ لا تراهُ إلا يلومُ نفسهُ على كلِّ حالاته، ويندمُ ويحاسبُ نفسَهُ، وإنّ الفاجرَ يمضي قُدُمًا ولا يُعاتبُ نفسَه.

وقال الإمام الماوردي: *محاسبةُ النفسِ إن يتصفحَ الإنسانُ في ليله ما صدرَ من أفعال نهارَه، فإن كان محمودًا أمضاه، وأتبعه بما شابهه وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركهُ إن أمكن، وامتنعَ عن مثله في المستقبل*.

وقال الامام ابن حبان: *أفضلُ ذوِي العقولِ منزلةً أدومُهم لنفسه محاسبة*.

وقال الإمام ابن القيم: *حقٌ على المؤمن الحازم، إن لا يغفَلَ عن محاسبة نفسهِ والتضييقِ عليها، فكلُّ نَفَسٍ من الأنفاسِ جوهرةٌ نفيسة، يمكن إن يُشترى بها كنزٌ لا يتناهى نعيمه، فإضاعةُ هذه الأنفاسِ خُسرانٌ عظيمٌ لا يَسمحُ بمثله إلا أجهلُ الناس، وأقلِهم عقلًا، وإنما يظهرُ لهُ حقيقةُ هذا الخسران يومُ التغابن، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ إن بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا}.

فليتعاهد كلٌّ منا نفسهُ وليتعوَّد إن يكون له في كل يومٍ قبل نومه جلسةً محاسبة، فإن لم يكن ففي الأسبوع مرة، فإن لم يكن ففي الشهر مرة، وليس وراء ذلك إلا الإهمالُ والغفلة.

وتذكر أيها المبارك: إن بينك وبين الآخرةِ أنفاسًا تتناقص، وأنَّ بينك وبين القبرِ مسافةٌ تقصُرُ مع الوقت، وسيأتي اليوم الذي يُقالُ فيه: ماتَ فلانٌ وانقطعَ عملُه، وأفضى إلى ما قدَّم. فماذا أعددتَ لتلك الساعة الرهيبة؟. {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

فبادرْ (يا رعاك الله) بإصلاحِ عملك، وتداركْ ما بقي من عمرك وزمنك، وتزوَّدْ من الصالحات لآخرتك. قبل {إن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِين}.

ويا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق