أحكام الإعارة والوديعة والقرض

8 دقائق
6 صفر 1448 (22-07-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

سوف نتحدث عن الأحكام الشرعية الخاصة با الإعارة والوديعة والقرض، فأقول وبالله تعالى التوفيق:

أولًا: الإعارة

تعريف الإِْعَارَة:

إباحة المالكِ منفعة ما يملكه لغيره من الناس بدون مقابل. (المبسوط للسرخسي ج 11ص 133).

مشروعية الإعارة:

الإعارة مشروعةٌ بالْكِتَاب وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.

أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}.

وَأُمًّا السُّنَّةُ، فقد روى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْخُطْبَةِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالزَّعِيمُ (الكفيل) غَارِمٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ. (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1016).

وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْعَارِيَّةِ. (المغني لابن قدامة ج 7ص 340).

حكْم الإعارة:

الإعارة مُستحبةٌ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً. (المغني لابن قدامة ج 7ص 340).

أركان الإعارة:

أَرْكَانُ الإعارةِ أَرْبَعَةٌ هِيَ: الْمُعِيرُ، وَالْمُسْتَعِيرُ، وَالْمُعَارُ، وَالصِّيغَةُ.

(1) الْمُعِيرُ: وَيُشْتَرَطُ فِيهِ إن يَكُونَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ الْمُعَارِ، مُخْتَارًا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ، فَلاَ تَصِحُّ إِعَارَةُ مُكْرَهٍ، وَلاَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَلاَ إِعَارَةُ مَنْ يَمْلِكُ الاِنْتِفَاعَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ، كَسُكَّانِ مَدْرَسَةٍ مَوْقُوفَةٍ.

(2) الْمُسْتَعِيرُ: وَهُوَ طَالِبُ الإِْعَارَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ إن يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ الْمُعَارِ، وَأَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، فَلَوْ فَرَشَ بِسَاطَهُ لِمَنْ يَجْلِسُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَارِيَّةً، بَل مُجَرَّدُ إِبَاحَةٍ.

(3) الْمُسْتَعَارُ (الْمَحَل): هُوَ الَّذِي يَمْنَحُهُ الْمُعِيرُ لِلْمُسْتَعِيرِ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ إن يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ انْتِفَاعًا مُبَاحًا مَقْصُودًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ. أَمَّا مَا تَذْهَبُ عَيْنُهُ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ كَالطَّعَامِ فَلَيْسَ إِعَارَةً، كَمَا لاَ تَحِل إِذَا كَانَتِ الإِْعَارَةُ لاِنْتِفَاعٍ مُحَرَّمٍ، كَإِعَارَةِ السِّلاَحِ لأَِهْل الْبَغْيِ أَوِ الْفَسَادِ، وَلاَ يُعَارُ مَا لاَ نَفْعَ فِيهِ.

(4) الصِّيغَةُ: وَهِيَ كُل مَا يَدُل عَلَى الإِْعَارَةِ مِنْ لَفْظٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ فِعْلٍ. (الموسوعة الفقهية الكويتية ج 5ص 183).

أنواع الإعارة: تنقسم الإعارة إلى نوعين: إعارة مطلقة، وإعارة مقيدة.

أولًا: الإعارة المطلقة:

هي إن يستعير إنسان شيئًا، ولم يبين في العقد أنه يستعمله بنفسه أو بغيره، ولم يبين كيفية الاستعمال، مثل: إن يعير شخص دابته لآخر، ولم يُسم مكانًا ولا زمانًا، ولم يحدد الركوب ولا الحمل. فحكمها: إن المستعير ينزل منزلة المالك، فكل ما ينتفع به المالك ينتفع به المستعير، فله إن يستعمل الدابة في أي مكان وزمان، وله إن يركب أو يحمل، أو يركب غيره؛ لأن الأصل في المطلق إن يجري على إطلاقه، وقد ملَّكه منافع العارية مطلقًا، إلا أنه لا يحمل عليها فوق المعتاد لمثلها ولا يستعملها ليلًا ونهارًا، مالم يستعمل مثلها من الدواب، فلو فعل فعطبت، يضمن؛ لأن العقد المطلق مقيد بالعرف والعادة ضمنًا، كما يتقيد نصًا.

ثانيًا: الإعارة المقيدة:

فهي إن تكون مقيدة في الزمان والانتفاع معًا أو في أحدهما. وحكمها: أنه يراعى فيها القيد ما أمكن؛ لأن الأصل في المقيد اعتبار القيد فيه.

(الفقه الإسلامي للزحيلي ج 5ص59).

ما تجوز إعارته:

تَجُوزُ إعَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الدَّوَامِ، كَالدُّورِ، وَالْعَقَارِ، وَالْعَبِيدِ، وَالْجَوَارِي، وَالدَّوَابِّ، وَالثِّيَابِ، وَالْحُلِيِّ لِلُّبْسِ، وَالْفَحْلِ لِلضِّرَابِ، وَالْكَلْبِ لِلصَّيْدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (المغني لابن قدامة ج 7ص 345).

ضمان العارية:

يَجِبُ ضَمَانُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهَا إن كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلِيَّةً، ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا. (المغني لابن قدامة ج 7ص 344).

إعارة العارية:

لا يجوز إعارة الشيء المستعار، إلا بإذن المالك. (المغني لابن قدامة ج 7ص 348).

الرجوع في العارية:

يجوز للمعير الرجوع في العارية في أي وقت شاء، سواء كانت الإعارة مطلقة أو مقيدة، بشرط إن لا يترتب على ذلك ضرر للمستعير. وأما المستعير فيجوز له رد العارية متى شاء. (المغني لابن قدامة ج 7ص 350).

تكاليف إعادة العارية:

أجرة رد العارية على المستعير؛ لأن الرد واجب عليه؛ لأنه قبضها لمنفعة نفسه، والأجرة مؤنة الرد، فتكون عليه.

(الفقه الإسلامي للزحيلي ج 5ص69).

ما يبرأ به المستعير: تبرأ ذمة المستعير بإعادة العارية إلى صاحبها أو نائبه. (الموسوعة الفقهية الكويتية ج 5ص 195).

الوصية بالإعارة:

تجوز الْوَصِيَّةُ بِالإِْعَارَةِ، إِذَا خَرَجَ مُقَابِل الْمَنْفَعَةِ مِنَ الثُّلُثِ، بِاعْتِبَارِهَا وَصِيَّةً بِالْمَنْفَعَةِ. (الموسوعة الفقهية الكويتية ج 5ص 195).

انتهاء الإعارة:

تَنْتَهِي الإِْعَارَةُ بِأَحَدِ الأَْسْبَابِ الآْتِيَةِ:

(1) انْتِهَاءُ الْمُدَّةِ فِي الإِْعَارَةِ الْمُؤَقَّتَةِ.

(2) رُجُوعُ الْمُعِيرِ فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الرُّجُوعُ.

(3) جُنُونُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.

(4) الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ.

(5) مَوْتُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.

(6) هَلاَكُ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ.

(7) اسْتِحْقَاقُهَا لِلْغَيْرِ.

(الموسوعة الفقهية الكويتية ج 5ص 194).

ثانيًا: الوديعة

معنى الوديعة:

الوديعة في اللغة: الوديعة مأخوذة من وَدَعَ الشيء بمعنى تركه.

روى مسلمٌ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ وَأَبي هُرَيْرَةَ إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ (تركهم) الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ". (مسلم حديث 865).

الوديعة في الشرع: المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عِوض.

(شرح منتهى الإرادات لابن النجار ج 1ص 382).

حكْم الوديعة:

الإيداع مشروعٌ، ويُستحبُ قبول الوديعة لمن يعلم في نفسه القدرة على حفظها وصيانتها،

وذلك بالقرآن والسٌّنة وإجماع أهل العِلم.

قال الله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (البقرة: 283).

وقال سبحانه: {إن اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ إن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ إن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إن اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إن اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (النساء: 58).

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فقد روى أبو داودَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَدِّ الْأَمَانَةَ إلى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". (حديث حسن صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث3019).

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى جَوَازِ الْإِيدَاعِ وَالِاسْتِيدَاعِ، وَالْعِبْرَةُ تَقْتَضِيهَا، فَإِنَّ بِالنَّاسِ إلَيْهَا حَاجَةً، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى جَمِيعِهِمْ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَيَحْتَاجُونَ إلى مَنْ يَحْفَظُ لَهُمْ.

(المغني لابن قدامة ج 9 ص256).

ضمان الوديعة: الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ، فَإِذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ الْمُودَعِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، سَوَاءٌ ذَهَبَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمُودِعِ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وذلك لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ فَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ وَتَفْرِيطِهِ، كَاَلَّذِي ذَهَبَ مَعَ مَالِهِ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إنَّمَا يَحْفَظُهَا لِصَاحِبِهَا مُتَبَرِّعًا، مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ فَلَوْ لَزِمَهُ الضَّمَانُ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ الْوَدَائِعِ، وَذَلِكَ مُضِرٌّ؛ لْلحَاجَةِ إلَيْهَا. فَأَمَّا إن تَعَدَّى الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا، أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ لِمَالِ غَيْرِهِ، فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيدَاعٍ.

(المغني لابن قدامة ج 9 ص257).

روي ابنُ ماجه عَنْ عبد الله بن عَمْرِو بْنِ العاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ". (حديث حسن) (صحيح ابن ماجه للألباني حديث1547).

وروى الدار قطني عَنْ عبد الله بن عَمْرِو بْنِ العاص إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضمان على مؤتمن". (حديث حسن) (صحيح الجامع للألباني حديث 7518).

أحكام الوديعة:

1) يجب إن يكون المودِع والمودَع عنده بالغًا، عاقلًا، رشيدًا.

2) لا يجوز للمودَع عنده إن ينتفع بالوديعة إلا بعد حصوله على الأذن من صاحبها.

3) يجب رد الوديعة إلى صاحبها متى شاء.

4) إذا مات الإنسان وعنده وديعة معلومة ردها الورثة إلى صاحبها، فإن لم توجد بعينها، فهي دينٌ لصاحبها يخرج من تركة الميت قبل قسمة الميراث.

5) إذا اختلف المودِع والمودَع عنده في رد الوديعة، فالقول للمودَع عنده مع يمينه.

6) إن غُصبت الوديعة من المودَع عنده فلا ضمان عليه، سواء أُخذت من يده أو أُكره على تسليمها.

(المغني لابن قدامة ج9ص2: ص280).

ثالثًا: القرض.

القرض في اللغة: القطع.

القرض في الشرع: دفع المال لمن ينتفع به ثم يرد بدله.

(معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية لمحمود عبد المنعم ج 3ص 82: 81).

حكْم القرض:

القرض نوع من السلف، وهو جائز بالقرآن والسُّنة والإجماع.

قال الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (البقرة: 245).

روى الشيخانِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ "إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا (ذَكَرًا من الإبل) فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ إن يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ إن خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً".

(البخاري حديث 2393 /مسلم حديث 1601).

روى مسلمٌ عَنْ عبد الله بن عمر بن الخطاب إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (مسلم حديث 2699)

وروى ابنُ ماجه عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً". (حديث حسن) (صحيح ابن ماجه للألباني حديث 1972).

أركان القرض:

أركان عقد القرض ثلاثة وهي:

1) صيغة العقد.

2) العاقدان.

3) المال المقرض.

أولًا: صيغة العقد: (الإيجاب والقبول).

يصح الإيجاب بلفظ القرض والسلف وبكل ما يؤدي معناهما، كأقرضتك وأسلفتك وأعطيتك قرضًا أو سلفًا، وملكتك هذا على إن ترد لي بدله، ونحو ذلك.

وكذا صحة القبول بكل لفظ يدل على الرضا بما أوجبه، مثل استقرضت أو قبلت أو رضيت، ونحو ذلك. (الموسوعة الفقهية الكويتية ج33ص114).

ثانيًا: العاقدان:

يُشترط في المقرض إن يكون من أهل التبرع: أي حرًا. بالغًا، عاقلًا، رشيدًا. ويُشترط في المقترض إن يكون أهلًا للتصرف، بأن يكون حرًا، بالغًا، عاقلًا. (الموسوعة الفقهية الكويتية ج33ص117).

ثالثًا: المال المقترض:

يُشترطُ في المال المقترض إن يكون مُباحًا ومعلومًا. (الموسوعة الفقهية الكويتية ج33ص121).

حسْن قضاء الدين:

قال الله تعالى: {إن اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ إن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ إن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إن اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إن اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (النساء: 58).

روي الشيخانِ عن أبي هريرة قالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنٌّ مِنْ الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ أَعْطُوهُ فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا فَقَالَ أَعْطُوهُ فَقَالَ أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً". (البخاري حديث 2393) (مسلم حديث 1601).

روى ابنُ ماجه عن إِسْمَاعِيلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ إن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَفَ مِنْهُ حِينَ غَزَا حُنَيْنًا ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَلَمَّا قَدِمَ قَضَاهَا إِيَّاهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ". (حديث صحيح) (صحيح ابن ماجه للألباني حديث1965).

الصبر على المعسرين:

قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 280).

روى البخاريُّ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ إن يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ". (البخاري حديث 2078).

روى ابنُ ماجه عَنْ أَبِي الْيَسَرِ صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحَبَّ إن يُظِلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ فَلْيُنْظِرْ مُعْسِرًا أَوْ لِيَضَعْ لَهُ. (حديث صحيح) (صحيح ابن ماجه للألباني حديث 1963).

فائدة هامة: يحرم رد القرض ومعه أي زيادة، إذا كان بتواطؤ بين المقرض والمقرض أو بنفع أخر خرج عن القرض إذا كان ذلك بشرط وتواطؤ بينهما، أما إذا كان ذلك مجرد إحسان مِن المقترض فلا حرج. (المغني لابن قدامة ج6 ص439: 436).

روى البيهقىُّ عَنْ أبي بُرْدَةَ، قَالَ: "قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ، فَقَالَ: انْطَلِقْ مَعِي الْمَنْزِلَ فَأَسْقِيَكَ فِي قَدَحٍ شَرِبَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَسَقَانِي سَوِيقًا، وَأَطْعَمَنِي تَمْرًا وَصَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِهِ، فَقَالَ لِي: إِنَّكَ فِي أَرْضٍ الرِّبَا فِيهَا فَاشٍ وَإنَّ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا إن أَحَدَكُمْ يُقْرِضُ الْقَرْضَ إلى أَجَلٍ فَإِذَا بَلَغَ أَتَاهُ بِهِ وَبِسَلَّةٍ فِيهَا هَدِيَّةٌ فَاتَّقِ تِلْكَ السَّلَّةَ وَمَا فِيهَا". (حديث صحيح) (إرواء الغليل للألباني ج 5ص 235).

روى الشيخانِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ إن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا (ذكرًا من الإبل) فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ إن يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ إن خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً". (البخاري حديث 2393 /مسلم حديث 1601).

* خِتامًا:

أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلاَ إن يَجْعَلَ هَذَا الْعَمَلَ خَالِصًَا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَيَجْعَلَهُ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 89: 88) كما أسألهُ سُبْحَانَهُ إن ينفعَ به طلابَ العِلْمِ الكِرَامِ.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق