المآخذ العلمية على النظام المسمى بالطيبات

8 دقائق
6 صفر 1448 (22-07-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

مدخل لا بد منه:

لست ضد شخص كائنًا ما كان، ولا أعادي أحدًا، ولا أناقش شخصيةً معينةً، فأمر الخلق لخالقهم، وهو الذي خلقهم، ويعلم ضمائرهم ومصائرهم. ولا يعنيني إلا الأفكار؛ لما لها من تأثير بالغ، والله ميزنا بالعقل وامتنَّ علينا به وكرَّمنا به، والتفكر والتأمل والبحث والنقاش متاحٌ وحق مكفول لكلِّ متأهِّلٍ، وليس لكل أحدٍ، لأن الله تعالى جعل الناس عالمًا ومقلدًا، قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.

وهذا لأنه يستحيل إن يحيط الإنسان بكل شيء علمًا، فالله تعالى بنى الحياة الدنيا على فكرة التكامل، فالعالم في أمرٍ ما يكمِّل السائل، وهكذا، وهذا العالم يحتاج إلى سائله في فنه الذي يتقنه وصنعته التي هو خبير فيها، فلنفرض مثلا إن سباكًا يحتاج إلى فتوى شرعية فإنه يسأل العالم بالشريعة، وهذا العالم الشرعي حين يحتاج إلى استفسارٍ متعلق بالسباكة فإنه يسأل ويستعين بالمتخصص في السباكة وهكذا؛ وهذا أحد الأسس التي أقام الله عليها الكون. وهناك قواعد علمية ومنهجية أقرها العلم والواقع والتجارب الممتدة والمستقرة.

وفي ضوء هذا المدخل أسوق عددًا من المآخذ والأخطاء الفادحة التي وقع فيها صاحب نظام الطيبات والمتعصبون له. مع تأكيدي إن كل ما كان صوابًا في نظام الطيبات فهو مقرَّر من قبلُ ومعمول به ومسَلَّم علميًّا وعالميًّا، وقضيتنا هنا ليست فيما وافق فيه الصواب المأخوذ من القواعد العلمية المستقرة والتجارب السريرية والأبحاث الطبية المسلَّم بها بل قضيتنا مع الأخطاء والمخالفات التي وقع فيها من جراء مصادماته الصارخة للقواعد المستقرة، وهذا وإن كان أمرًا واضحًا إلا إن توضيح الواضح لا بأس به أحيانًا.

المأخذ الأول: تسمية النظام بالطيبات!

كلمة (الطيبات) كلمة قرآنية، تكررت في مقام الامتنان والتفضُّل وجاءت في سياق الإباحة والحِلِّ.

والطيبات يراد به ثلاثة معان:

المعنى الأول: هو الحلال فكل حلال طيب وعكسه الخبيث وما ليس بطيب وهو الحرام.

المعنى الثاني: ما التذه آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا والآخرة.

المعنى الثالث: الذبائح لأنها طابت بالتذكية.

وصاحب النظام قد وضع قائمة بالمسموح وأسماها الطيبات وقائمة بالممنوع، فالمسموح هو الطيب والممنوع هو الخبيث وهذا تشريع وتحليل وتحريم من دون الله سبحانه وتعالى. وقد قال سبحانه: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}.

وهذا افتراء على الله، واعتقاد ذلك من فاعله أو متبعه يدخل المعتقِد - عياذا بالله - في الشرك قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}.

وقد أنكر الله على من حرَّم الطيبات إنكارًا عظيمًا جدًّا. وليس لأحدٍ إن يحرِّم شيئًا أو يمنع منه طبيًّا إلَّا بدليلٍ مستقرٍّ واضح ثابتٍ خالٍ من المعارِضِ، ولا يصح إصدار حكم عامٍّ بالمنع لكل الناس؛ لأن الناس يتفاوتون فيما يناسبهم كمًّا وكيفًا، ومع كون الأصل الإباحة إلا إن الأمر بعدم الإسراف هو محلُّ تدخل الطب ومحلُّ تقنين وترشيد الاستهلاك.

أما المنع العام والتحريم الشامل فهو مخالف للشرع مخالفةً واضحة. ونظام الطيبات مخالف في تطبيقاته ونصائحه لكثير من هذه الأصول، ولم يتماشَ مع قاعدة الطيبات في الشريعة بل سار سيرة عشوائية لا منهجية، فبينما يمنع البيض يسمح بمأكولات داخل فيها البيض؟!

المأخذ الثاني: مخالفته لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في باب الأطعمة:

فالنبي صلى الله عليه وسلم ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. قال ابن بطال: «وكل مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عيب».

وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم اللبن وقيل له: اخترت الفطرة؛ وهي هنا: الإسلام والاستقامة، وجعل اللبن علامة على الفطرة؛ لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا سائغًا للشاربين سليم العاقبة.

وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم الدجاج وأكله أصحابه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته". وإنه أُتي بطبقٍ فيه خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فوجد لها ريحا، فسأل عنها فأخبر بما فيها من البقول، فقال: "قربوها. فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها قال: كُلْ فإني أناجي من لا تناجي" وهذه البقول البصل والثوم والكراث والفجل ونحوها حلال بإجماع من يعتد به. وقد وضع صلى الله تعالى عليه وسلم قاعدة شريفة في نحو هذا حين قال: "أيها الناس؛ إنه ليس لي تحريم ما أحلَّ الله لي".

المأخذ الثالث: إن ما قام به يشبه تمامًا عمل الجاهلية في تحريم ما أحل الله فإن الجاهلية حرموا ما أحل الله وجعلوا لله نصيبًا من الأنعام ولأصنامهم نصيبًا؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إلى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.

«جعلوا لله جزءا ولشركائهم جزءا، فإذا ذهب ما لشركائهم بالإنفاق عليها وعلى سدنتها عوضوا منه ما لله، وإذا ذهب ما لله بالإنفاق على الضيفان والمساكين لم يعوضوا منه شيئًا، وقالوا: الله مستغن عنه وشركاؤنا فقراء. وكان هذا من جهالاتهم وبزعمهم، والزعم الكذب».

﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. «أي حرموا أنعاما وحرثا وجعلوها لأصنامهم وقالوا: (لا يطعمها إلا من نشاء) وهم خدام الأصنام. ثم بين إن هذا تحكم لم يرد به شرع، ولهذا قال: بزعمهم».

وكذلك وزعوا ما للرجال وما للنساء: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. «هذا نوع آخر من جهلهم. قال ابن عباس: هو اللبن، جعلوه حلالا للذكور وحراما على الإناث. وقيل: الأجنة، قالوا: إنها لذكورنا. ثم إن مات منها شي أكله الرجال والنساء».

المأخذ الرابع: القول على الله بغير علم. وهو من أشد وأعظم الذنوب.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقد جاءت هذه الآية بعد قوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. أي بعد التحذير من تحريم زينة الله وهي اللباس والطيبات من الرزق وهو الطعام.

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إن الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. وقد جاءت بعد قوله سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115)﴾.

المأخذ الخامس: مخالفته لقواعد الشريعة في باب الأطعمة:

ذكر العلماء إن «من امتنع من الطيبات بلا سبب شرعي؛ فمبتدعٌ مذموم». فانظر كيف حكموا على من امتنع فكيف بمن مَنَع وأصَّل ونظَّر ووالى وعادى بل جعل المسألة مسألة حق وباطل؟! ووجه الذم والتبديع: «أنه ترك ما أباح الله له وكأنه يقول: إنه لا يريد إن يكون لله عليه منة؛ فالإنسان لا ينبغي إن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي؛ والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بدينه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بغيره؛ فقد يمتنع الإنسان عن اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله، فيكون تركه له من باب الحمية؛ وقد يترك الإنسان اللحم، لأنه يخشى إن تتسلى به نفسه حتى يكون همه إن يُذهب طيباته في حياته الدنيا؛ وقد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره، مثل ما يذكر عن عمر رضي الله عنه في عام الرمادة، عام الجدب المشهور، أنه كان لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده، ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع؛ فيكون تركه لذلك مراعاة لغيره؛ إذًا من امتنع من الطيبات لسبب شرعي فليس بمذموم».

ويتبين لمن تتبع ما في كتب الفقه المختلفة في أبواب الأطعمة وغيرها إن الأصل في الأطعمة الحل، ولا يصار إلى التحريم إلا لدليل خاص.

المأخذ السادس: أتباع وأنصار الدكتور العوضي الذين يصورون ويتصورون إن جميع ما قاله هو حقائق علمية مجمع عليها بينما هي آراء شخصية وليست حتى اجتهادية باعتراف الدكتور نفسه ويتضح ذلك من خلال قوائمه فما كان مسموحًا بالأمس أصبح ممنوعًا اليوم وما كان ممنوعًا أصبح مسموحا وعند سؤاله يقول: أنا حر!

والمتأمِّل لكلام صاحب نظام الطيبات ودعاويه وتنظيراته وكذلك أتباعه يلحظ إن الأمور الظنية صارت وكأنها أمور قطعية، فالنظم الغذائية الثابتة بالتجارِب والأبحاث -فضلًا عن نظام الطيبات الخالي عن الدليل في معظم أدبياته والمخالف لمستقِرِّ الأعراف الطبية في أكثر وأهم مفرداته- تُصنف تحت المسائل العلمية الظنية القابلة للأخذ والرد والنقاش والنقد وليست أمورًا قطعيةً ولا وحيًا مقدسًا، كما يوحي به التعصب الجارف الموجود في المؤيدين أو بالأحرى المتعاطفين المتحمسين.

المأخذ السابع: نظرية المؤامرة -التي أضحت حجة كل دجَّال- وتعني نظرية المؤامرة إن هذا النظام سيحارب من قبل الجميع، وأنه الحق الذي أخفي عن عمد وتآمر، وأنه قد أظهره الله رغم كيد الكائدين ونحو هذا وما في معناه، والحقائق العلمية لا تحتاج إلى هذا كله بل برهانها يفرضها شاء من شاء وأبى من أبى، وذلك كله في جو من الهدوء والطمأنينة بعيدا عن اللغط والصخب والضوضاء.

المأخذ الثامن: قد يقول قائل: إنما قال العوضي ذلك بناء على تخصصه.

والجواب عن ذلك: الظاهر من مقاطعه إن هذه القائمة لم تبن على أبحاث علمية ودراسات طبية وتجارب سريرية وإنما على هوى شخصي لا عَلاقة له بمهنة الطب والدليل على ذلك أنه لم يقدم أي دراسة علمية أو يتحدث عنها، وقد فندت الجهاتُ الرسمية والمؤسسات العلمية والطبية دعواه ونفتها.

المأخذ التاسع: من أجرأ ما تفوه به صاحب هذا النظام إن التدخين مسموح ولا شيء فيه طبيًّا بل تجاوز كل حد وخرج عن كل عقل حين قال: إن من لا يدخن ليس برجل؛ فهل يعقل إن يقبل مثل هذا الكلام؟! بل أهذا كلام يعي صاحبه ما يقوله؟!

المأخذ العاشر: وَصَفَ مرض السكر بأنه مرض لعين. وهذه عبارة لا تليق ألبتةَ ولا يمكن قبولها، نعم هو مرض شديد الخطورة ومريض ينبغي الحذر منه ما أمكن وينبغي معالجته والتنبه لمضاعفاته ومخاطره، ولكن لا يقال لمرض: لعين، ولا ينبغي إن تسبَّ الأمراض بل نحمد الله على كل حال ونسأله العافية. وأجر أهل البلاء معلوم مشهور في الشريعة، ونسأل الله العافية لنا وللجميع في الدنيا والآخرة.

المأخذ الحادي عشر: ألفاظ صاحب النظام -عفا الله عنه وغفر له- نابية ومخالفة للذوق العام والأدب فضلا عن الأدب الراقي.

المأخذ الثاني عشر: أنه جعل الطعام هو سبب الأمراض فقط وضمن لمن يستخدم هذا النظام بأنه لا يمرض وهذا فيه مصادمة لقضاء الله وقدره وما خلقه من أسباب. فقد مرض الأنبياء والأولياء والصالحون. وهم أكثر الناس بعدًا عن النظم الغذائية غير المرضية.

ختامًا، نقول لمن يعتقد في العوضي ونظامه نقول له: هل نأخذ كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم أم كلام العوضي؟! فالله سبحانه وتعالى يقول: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، وفي الحديث: "كلوا وَاشْرَبُوا وتصدقوا وَالْبَسُوا مَا لم يخالطه إِسْرَاف أَو مخيلة". والإسراف: صَرْفُ الشيء زائدًا على ما ينبغي، والمخيلة: الكبر.

فامتثل شرع الله ودينه دون إن تحرِّم على نفسك ما أحل الله لك. فيا أصحاب العقول، لم تحرمون ما أحل الله لكم، لم تصدقون العوضي وأمثاله، والله قد أبان لكم الحلال من الحرام، والمسموح والممنوع. والله ولي التوفيق.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق